فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 501

ت- رجاء الله ومحبته والخوف منه.

من المعروف أنّ أصل الطاعة تقوم على المحبة والخوف والرجاء، وهذه أصول العبادة، التي إذا فقدت دخل الخلل في العبادة على قدر المفقود منها، [1] والمحبة هي أصل كل عمل، وهي حقيقة العبادة التي تقتضي التذلل والخضوع لله تعالى، وتعظيمه بتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه، والخوف والرجاء يستلزمانها؛ لأن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب، [2] والمحبة"حياة القلوب، ونعيم الأرواح، وبهجة النفوس، وقرة العيون، وأعلى نعيم الدنيا والآخرة"، [3] والخوف جالب للخشية والرهبة والوجل والهيبة، وما فارق الخوف قلبًا إلا خرب؛ لأن الخوف إذا سكن القلوب أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها، فيشرق بنور حب الطاعة، ويرفض المعصية، ويبقى على هذا الحال ما لم يزل عنه الخوف، فإذا زال عنه الخوف ضلّ الطريق، [4] وأما الرجاء فهو حاد يحدو القلوب إلى أبواب المحبوب، وهو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه، وهو الباعث على الاجتهاد، والمولد للشوق واللقاء، والموقظ للطّباع الحسنة، والزاجر لترك المعاصي والابتعاد عن النواهي؛ لأن الرجاء يستلزم الخوف، كما أن الخوف يستلزم الرجاء، [5] وقد ذكر البخاري تفسير مجاهد رحمهما الله تعالى لقوله تعالى: {لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا} [النبأ: 27] : فقال أي: لاَ يَخَافُونَهُ، [6] وقال ابن القيم:"القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر"، [7] والأساس الذي يجذب القلوب لمحبة الله تعالى، والخوف منه، ورجاءه، هو معرفة أسماء الله تعالى وصفاته؛ لأن القلوب إنما تحب وتخاف وترجو من تعرف، فإذا ضرب دونها حجاب معرفة الصفات والإقرار بها، امتنع منها بعد ذلك ما هو مشروط بالمعرفة، وملزوم لها، إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، والمشروط بدون شرطه ممتنع، فحقيقة المحبة، والخوف، والرجاء، وما يتفرع عنهم من الإنابة، والتوكل، ومقام الإحسان، ممتنع على المعطل؛

(1) انظر: السمرقندي، تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين (ص: 590) .

(2) انظر: ابن تيمية، التحفة العراقية (ص: 66) .

(3) ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 23) .

(4) المرجع السابق (1/ 510) بتصرف.

(5) انظر: المرجع السابق (2/ 51 - 54) .

(6) انظر: البخاري، صحيح البخاري (6/ 165) .

(7) ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 513) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت