فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 501

إذ كيف تأْلَه القلوبُ من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يُحِب ولا يحَب، ولا يقوم به فعل البتة، ولا يتكلم ولا يكلم، ولا يَقْرب من شيء، ولا يقرّب منه شيء، ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان، ولا له حكمة ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها؟! [1] والبخاري ذكر في كتاب التوحيد ما يطول ذكره في إثبات هذه الصفات، والتي لازمها ما ذكر، ونكتفي في هذا المقام بذكر الأدلة المباشرة التي تدل على أن معرفة أسماء الله تعالى وصفاته تورث المحبة والخوف والرجاء في نفس العبد وسلوكه، وهي كما يلي:

-دليل المحبة: روى البخاري عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قالت:"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ"، [2] والشاهد من الحديث، قول الصحابي: (لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا) فسبب حبه لقراءة هذه السورة تضمنها الحديث عن صفات الله تعالى، وحبه لقراءة السورة دليل على حبه لله تعالى؛ لأنه بذلك قدم معرفة الله تعالى على المعارف الأخرى، وقدم الحديث عن صفات الله تعالى على غيره من الأمور، ودوامه عليها دليل على تعلقه بالله تعالى، وهذا كله من علامات المحبة، [3] وقد أمر الله تعالى الناس بعبادته، واستدل على استحقاقه العبادة دون غيره، بصفاته التي ظهرت آثارها في الوجود من خلق وإنعام، ثم ختم الآية بالنهي عن اتخاذ أنداد مع الله تعالى، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21، 22] ، والبخاري رحمه الله تعالى بوب بتذييل هذه الآية بعد ذكره أبواب كثيرة قرر فيها أسماء الله تعالى وصفاته، [4] ومعنى الند: العِدْلُ والمِثل، فيكون المعنى لا ند لله تعالى ولا عدل له في صفاته وأفعاله، كي تحبون غيره كحبه، [5] وهذا ما دل عليه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ

(1) ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 327) بتصرف.

(2) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله - سبحانه وتعالى -، 9/ 115: رقم الحديث 7375] .

(3) انظر: ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 13) .

(4) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 152) .

(5) انظر: الطبري، تفسير الطبري (1/ 368) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت