فهرس الكتاب
الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: 164، 165] ، وهذه الآيات يجمع الله تعالى فيها الزجر والنهي عن حب غيره كحبه تعالى؛"لأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه". [1]
-دليل الخوف: بوب البخاري بقوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] ، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] ، [2] والشاهد من تلك الآيتين أن تحذير الله تعالى لنا نفسه يستلزم الخوف منه؛ لأن الحذر دليل الخوف، [3] وهذا الخوف مبني على ما اتصف الله - سبحانه وتعالى - به من صفات الجلال والعظمة والكبرياء، وقوة البطش، وشدة البأس، [4] وقوله تعالى: {تعلم ما في نفسي} كمثال على سبب من أسباب الخوف من الله تعالى، وهو علم الله تعالى المطلق لما في الصدور، فمعرفة العبد هذا يدفعه للورع والتقوى وتجنب التفكير في العصيان فضلًا عن الوقوع فيه، وقد بيّن البخاري في إيراده الآيات القرآنية أسباب عدم الخوف من الله تعالى، ومنها الجهل بصفاته تعالى وعدم العلم بها، فبوب بقول الله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ، وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: 22] ، ثم ذكر في الباب سبب نزول هذه الآية فروى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن مسعود - رضي الله عنه -، قَالَ:"اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ - أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ - كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلاَ يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} [فصلت: 22] "، [5] فبسبب جهلهم بصفات الله تعالى وظنهم بأن الله تعالى لا يعلم كثيرًا مما يفعلوه، تجرّؤوا على المعصية، ولو عرفوا الله تعالى حق معرفته لما تجرّؤوا على معصيته، [6] ولهذا قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى
(1) الطبري، تفسير الطبري (1/ 368) .
(2) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 120) .
(3) انظر: الطبري، تفسير الطبري (6/ 317) .
(4) الحنبلي، تفسير ابن رجب الحنبلي (1/ 361) بتصرف يسير.
(5) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ ... } [فصلت: 22]
، 9/ 152: رقم الحديث 7521].
(6) انظر: البغوي، تفسير البغوي (4/ 131) .