فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 501

اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28] ، قال ابن كثير عند تفسيره هذه الآية:"كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر". [1]

-دليل الرجاء: روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ:"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ، إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي". [2] وفي رواية:"إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". [3] والشاهد من هذه الرواية أن رحمة الله تعالى أشمل من غضبه، فرحمته وسعت كل شيء، فهي تشمل كل الخلق؛ وذلك لتعلقها بربوبيته سبحانه، فهو قد أرسل الأنبياء للناس كافة، ورزقه موصول للمسلم والكافر، وأما غضبه فهو على من عصاه في ألوهيته بعد البيان والإنذار، فالحديث يتضمن سعة رحمة الله، وكثرة فضله في حلمه قبل انتقامه، وعفوه قبل عقوبته، [4] وفي ذلك قال الكرماني:"الرحمة والغضب من صفات الفعل، والسبق باعتبار التعلق، والسر فيه أن الغضب بعد صدور المعصية من العبد، بخلاف تعلق الرحمة فإنها فائضة على الكل دائمًا أبدًا"، [5] وقال الغنيمان في شرحه على هذا الحديث:"الرحمة والغضب كلاهما من أوصاف الله تعالى، ولكن الرحمة أوسع وأشمل، فرحمته تعالى وسعت كل شيء، كما قال عن حملة العرش، ومن حوله من الملائكة في دعوتهم للمؤمنين، أنهم يقولون: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7] ، وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] ، وهذا هو معنى غلبها للغضب"، [6] وهذا الحديث يفتح للعبد باب الرجاء في عفو الله تعالى وكرمه، فيدفعه ذلك لعدم اليأس والقنوط من رحمته، خاصة وأن العبد دائر بين ذنب يرجو غفرانه، وعيب يرجو إصلاحه، وعمل صالح يرجو قبوله، واستقامة يرجو حصولها ودوامها، وقرب من الله ومنزلة عنده، يرجو وصوله إليها، [7] وقد روى البخاري عن

(1) ابن كثير، تفسير ابن كثير (6/ 482) .

(2) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] ... ، 9/ 120: رقم الحديث 7404].

(3) [المرجع السابق، التوحيد/ {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ} [هود: 7] ، {وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [التوبة: 129] ... ، 9/ 125: رقم الحديث 7422].

(4) انظر: أبو المظفر، الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 307) . ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 280) .

(5) الكرماني، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (25/ 132)

(6) الغنيمان، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 261) .

(7) ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 43) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت