فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 501

عمر - رضي الله عنه - في صحيحه ما يبيّن سعة رحمة الله تعالى على عبادة، أنه"قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟! قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَال - صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا"، [1] وبهذا يعرف أن سبب الرجاء هو معرفة صفات الله تعالى الدالة على رحمته ورأفته وكرمه ولطفه وإحسانه على عباده تعالى، [2] قال ابن القيم:"والمعرفة بالله هي الذي أوجب للعبد الرجاء، من حيث يدري ومن حيث لا يدري، فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته". [3]

ث فعل ما يرضي الله تعالى والبعد عما يسخطه.

إن من ثمرات وأثر معرفة الأسماء والصفات ومعانيها، وآثارها، يدفع العبد لفعل ما يرضى الله تعالى والبعد عما يسخطه، ومثال على ذلك ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ"، [4] والشاهد أن معرفة العبد باتصاف الله تعالى بصفة المحبة يدفعه كيّ يحسّن سلوكه، ويفعل ما يرضي الله تعالى؛ ليدخل في دائرة من يحبهم الله تعالى.

ج الالتجاء إلى الله تعالى في قضاء كل الحوائج.

المرء من طبيعته أن يخشى المجهول، ويحجم على الإقدام فيما يجهله، ويلتجأ لمن هو أقوى وأعلم منه فيما يعجز عنه، ولما كان هناك غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وأمور لا يقدر عليها إلا هو - جل جلاله -، كان الأحرى بالعبد أن يلتجئ لمن اتصف بهذه الصفات، ولمن بيده مقاليد الأرض والسموات، وهو على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وهذا ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري بسنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ - ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ - خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ"

(1) [البخاري: صحيح البخاري، الأدب/ رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، 8/ 8: رقم الحديث 5999] .

(2) انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين (1/ 162) .

(3) ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 43) .

(4) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ كَلاَمِ الرَّبِّ مَعَ جِبْرِيلَ، وَنِدَاءِ اللَّهِ المَلاَئِكَةَ ... ، 9/ 142: رقم الحديث 7485] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت