فهرس الكتاب
العقاب، وجعل ذكر الملزوم والمؤثر من باب المجاز؛ لأن إثباتها حقيقة يقتضي التشبيه بالمخلوق الذي يزول من شيء إلى شيء.
والحق في معنى هذه الآية: أن من يجب عليه غضب الله تعالى، ينزل به العقاب، فقد هوى أي تردى وشقي، [1] فالمؤثر على وجود العقاب هو صفة الغضب، والعقاب أثر هذه الصفة.
3 -روى عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ:"سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ - عليه السلام - عَنْ شيء مِنَ التَّوْحِيدِ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ الَّتِي يُدْعَا بِهَا، وَتَعَالَى فِي عُلُوِّ كُنْهِهِ وَاحِدٌ تَوَحَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي تَوَحُّدِهِ، ثُمَّ أَجْرَاهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَهُوَ وَاحِدٌ صَمَدٌ قُدُّوسٌ، يَعْبُدُهُ كُلُّ شيء، وَيَصْمُدُ إِلَيْهِ كُلُّ شيء، وَوَسِعَ كُلَّ شيء عِلْمًا"، [2] عقب الكليني على هذه الرواية فقال:"فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ الصَّمَدِ، لَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُشَبِّهَةُ: أَنَّ تَأْوِيلَ الصَّمَدِ الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ الْجِسْمِ، وَاللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ، هُوَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَقَعَ الْأَوْهَامُ عَلَى صِفَتِهِ، أَوْ تُدْرِكَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ، وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الصَّمَدِ فِي صِفَةِ اللَّهِ - عز وجل - الْمُصْمَتَ لَكَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَا أَجْوَافَ لَهَا مِثْلِ: الْحَجَرِ، وَالْحَدِيدِ، وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُصْمَتَةِ الَّتِي لَا أَجْوَافَ لَهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا"، [3] وقول الكليني يعدّ أكبر شاهد على ما وقع فيه من التعطيل، لتوهم التشبيه، فاستدل بنفي المماثلة على نفي الصفات، لا على نفي المثل والشبه في الصفات.
4 -صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ في بيان صفة نزول الله تعالى:"يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". [4] روى الكليني عن أبي إبراهيم في نفي هذه الصفة فقال:"أَمَّا قَوْلُ الْوَاصِفِينَ إِنَّهُ يَنْزِلُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَنْسُبُهُ إِلَى نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ، وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يُحَرِّكُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ بِهِ، فَمَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هَلَكَ، فَاحْذَرُوا فِي صِفَاتِهِ مِنْ أَنْ تَقِفُوا لَهُ عَلَى حَدٍّ تَحُدُّونَهُ بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ، أَوْ تَحْرِيكٍ أَوْ تَحَرُّكٍ أَوْ زَوَالٍ، أَوِ اسْتِنْزَالٍ أَوْ"
(1) الطبري، تفسير الطبري (18/ 347) بتصرف يسير.
(2) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ تأويل الصمد، 1/ 89: رقم الحديث 2] .
(3) المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.
(4) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ} [الفتح: 15] ، 9/ 240: رقم الحديث 7494].