فهرس الكتاب
(توحيد الله تعالى) يعم أنواع التوحيد"، [1] وبدأ البخاري في هذا الباب بحديث معاذ - رضي الله عنه - المشهور الذي رواه ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فقال:"لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - رضي الله عنه - إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ، قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى ...". [2] ، وفي رواية أخرى بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف يوحدونَ الله تعالى، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه:"ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ..."، [3] قال الشيخ الغنيمان حفظه الله تعالى:"فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد الله بالعبادة، والبعد عن عبادة ما سواه"، [4] ، وقال كذلك:"وهذا الحديث دليل ظاهر على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده، والبعد عن عبادة ما سواه، والإيمان بأسمائه وصفاته، كما جاء في وحيه إلى رسله، هو أول واجب على العباد"، [5] وهذا المعنى هو الذي دل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في رواية أخرى حيث قال - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ ..."، [6] وفسر البخاري قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] فقال:"ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين إلا ليوحدونِ"، [7] ومن فقهه رحمه الله تعالى أنه ذكر في هذا الباب حديثًا يدخل في كل أبواب التوحيد، والحديث يرويه بسنده عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قالت:"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ:
(1) الغنيمان، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 31) .
(2) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ ما جاء في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى توحيد الله - سبحانه وتعالى -، 9/ 114: رقم الحديث 7372] .
(3) [المرجع نفسه، الزكاة/ وجوب الزكاة، 2/ 104: رقم الحديث 1395] .
(4) الغنيمان، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 37) .
(5) المرجع السابق، ص 39.
(6) [البخاري: صحيح البخاري، الزكاة/ باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، 2/ 119: رقم الحديث 1458] . ولا تعارض بين الأحاديث باختلاف الألفاظ بل الألفاظ تفسر بعضها ولا يمنع أن يكون النبي تكلم بها في حديث واحد، وإن قلت اختلاف الألفاظ في الرواية يدل على جواز النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى، وهذا نقل للصحابة عنه، قلت: وهذا هو المقصود من القول إذ اتفقت المعاني عند السلف في فهمهم للتوحيد بإفراد الله تعالى بالعبادة، وهذا يؤكد أن السلف مجمعون على معنى لا إله إلا الله ومتفقون على معنى أن يوحدوا الله وهي عبادته وحده لا شريك له سبحانه وتعالى.
(7) البخاري، صحيح البخاري (6/ 139) وهو قول الفراء ونصره بن قتيبة في مشكل القرآن له وسبب الحمل على التخصيص وجود من لا يعبده فلو حمل على ظاهره لوقع التنافي بين العلة والمعلول. انظر: ابن حجر،، فتح الباري (8/ 600) . وانظر: القرطبي، تفسير القرطبي (17/ 55) .