فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 501

في أوائل كتاب التوحيد، قلت - الكرماني-: ليس المقصود ذلك بل هو بيان أفعال العباد بخلق الله - جل جلاله -؛ إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا شركاء لله تعالى وأندادًا له في الخلق". [1] "

والذي يظهر لي أن المراد بالترجمة توحيد الألوهية، وبيان علاقته بأقسام التوحيد الأخرى؛ وذلك لأمور منها: ترتيب البخاري لهذه الأبواب، حيث بدأ بمفهوم التوحيد، ثم ذكر القسم الأول وهو توحيد الأسماء والصفات، ثم ذكر فعل العبد بألّا يجعل لله - سبحانه وتعالى - ندًا، وهذا لف ونشر على ما سبق؛ [2] لبيان نفي الندية عنه - سبحانه وتعالى - في أسمائه وصفاته وأفعاله، مع تقرير القسم الثاني للتوحيد وهو الألوهية، مع بيان علاقته بتوحيد الربوبية، [3] وذلك من خلال إيراد آيات وأقوال دالة على توحيد الربوبية، ومبينة لعلاقته ببقية أقسام التوحيد، وذلك في نفس الباب الذي ذكر فيه الآيات والأقوال الدالة على توحيد الألوهية، ومما ذكره في الباب، قول عِكْرِمَةَ في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] ، وقوله - جل جلاله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ} [الزخرف: 87] ، وَقوله - جل جلاله: {مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] ، فقال عكرمة: فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، [4] أي هم يقرون بالربوبية، ولكنهم لم يحققوا الألوهية، وهو يعني بهذا أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وبالتالي فتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وذلك عُرف من خلال تبويبه للآيات القرآنية، فبوَّب بقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} . [البقرة: 22] وَقَوْلِهِ - سبحانه وتعالى: {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ} [فصلت: 9] ، أي كونه ربكم الذي خلقكم ورزقكم، فلا تجعلوا له أندادًا بعبادتكم غيره فتكونوا مشركين، ودعاء غيره بأي نوع من أنواع الدعاء يعدّ شركًا به - سبحانه وتعالى -، وهذا ما دل عليه إيراده في نفس الباب قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68] ، وقوله - سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ

(1) الكرماني، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (25/ 212) .

(2) اللّفُّ والنّشر: هو فَنٌّ في المتعدّدات التي يتعلّق بكلّ واحِدٍ منها أَمْرٌ لاحق، فاللّف يُشار به إلى المتعدّد الذي يؤتى به أوّلًا، والنشر يُشار به إلى المتعدّد اللاّحق الذي يتعلّق كلُّ واحد منه بواحد من السابق دون تعيين، أما ذكر المتعددات مع تعيين ما يتعلّق بكلّ واحد منها فهو التقسيم. انظر: الميداني، البلاغة العربية (2/ 403) .

(3) وهذا ما عليه ابن القيم رحمه الله تعالى حيث ربط توحيد الربوبية في الألوهية، وجعله من التوحيد الطلبي لا المعرفي، فقال:"التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي؛ لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني أيضا نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية، فهذه ثلاثة أنواع". ابن القيم، التفسير القيم (ص: 28) .

(4) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 152) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت