فهرس الكتاب
اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: 65 - 66] ، [1] وبعد تقرير ذلك، ذكر في نفس الباب مسألة خلق أفعال العباد، وذلك لبيان علاقتها بتوحيد الربوبية، فقال رحمه الله تعالى:"وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] "، [2] وبعد ذلك يختم كتابه بالأبواب التي تتكلم عن فعل العبد مع بيان الفرق بينها وبين فعل الرب تعالى، ومن هذا الترتيب لأقسام التوحيد يمكن القول بأن تعريف التوحيد بأقسامه عند البخاري هو: (إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات) . [3]
والخلاصة: أن توحيد الأسماء والصفات يدلُّ على توحيد الربوبية وعلى توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية يتحقق في العبد بنفي الند عن الله - سبحانه وتعالى - في أسمائه وصفاته، وإفراده بالعبادة وحده.
ب منهج البخاري في الاستدلال والتلقي:
أول كتاب بوبه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بعنوان: (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟) ، [4] وتبويبه هذا يدلّ على عقيدته في الاستدلال والتلقي، فالدين يتلقى ويستدل له من الكتاب والسنة لقوله - جل جلاله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] ، وهذا بخلاف من جعل العقل هو الحكم على الدين لا نصوص الوحي.
وضمن البخاري مصنفه الصحيح الجامع كتابًا سماه: (كتاب أخبار الآحاد) ، ومن خلال ذكره لهذا الكتاب وما يتضمنه من أبواب، تظهر عقيدته في خبر الآحاد، فالأحاديث ما دام صحَّ سندها وإن كان خبر آحاد فهو يفيد العلم، [5] وساق الأحاديث الدالة على ذلك، والتي
(1) انظر: المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.
(2) البخاري، صحيح البخاري (9/ 152) .
(3) انظر: أبو البقاء، تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (1/ 447) . ابن عثيمين، القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 11) . عفيفي، مذكرة التوحيد (ص: 3) .
(4) نقل ابن حجر عن أبي حَفْص عمر البُلْقِينِيّ رحمها الله - سبحانه وتعالى - أنه قال:"بدأ البخاري رحمه الله تعالى بقوله: (كيف بدء الوحي) ، ولم يقل كتاب بدء الوحي؛ لأن بدء الوحي من بعض ما يشتمل عليه الوحي، قلت - أي ابن حجر رحمه الله - سبحانه وتعالى: ويظهر لي أنه إنما عراه من باب لأن كل باب يأتي بعده ينقسم منه فهو أم الأبواب فلا يكون قسيما لها، قال - أي البلقيني-: وقدمه لأنه منبع الخيرات وبه قامت الشرائع وجاءت الرسالات ومنه عرف الإيمان والعلوم وكان أوله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يقتضي الإيمان من القراءة والربوبية وخلق الإنسان فذكر بعده كتاب الإيمان والعلوم وكان الإيمان أشرف العلوم فعقبه بكتاب العلم وبعد العلم يكون العمل". ابن حجر، فتح الباري (1/ 470) .
(5) انظر: ابن عيسى، توضيح المقاصد شرح الكافية الشافية (نونية ابن القيم) (1/ 216) . البنعلي، نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين (ص: 137) .