فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 501

من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل". [1] "

الوجه الثاني: الكتاب والسنة والإجماع أثبتوا قيام الصفات الفعلية في الذات الإلهية، ونفوا ما يناقض صفات الكمال، كالموت المنافي للحياة، والسِنة والنوم المنافي للقيومية، واللغوب المنافي لكمال القدرة؛ ولهذا كان الصواب أن الله تعالى منزه عن النقائص شرعًا وعقلا. [2]

الوجه الثالث: معنى الحدوث في الكتاب والسنة ولغة العرب، ليس هو الحدوث في اصطلاح المتكلمين والشيعة، وجاء على معانٍ متعددة مثل: قرب العهد، وما تجدد، وما تقدم علي غيره، وبيان ذلك كما يلي:

أ معنى الحدوث في القرآن: قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] ، قال ابن تيمية معلقًا على هذه الآية:"علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث؛ لأن النكرة إذا وصفت ميّز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعامًا حلالًا، ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا، فإن الله تعالى كان ينزّل القرآن شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب كما قال الله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] ، وقوله تعالى: {تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95] ، وقوله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] ". [3] ومعنى أن يحدث الله تعالى أمرًا: أن يغير ما في النفوس، فهو عائد إلى فعل الله تعالى حسب مشيئته - سبحانه وتعالى -. [4]

ب معنى الحدوث في السنة: روى أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى بسنده عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ اللهَ - عز وجل - يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ". [5] فمعنى الإحداث هنا، تجديد الأحكام، وتجديد الأحكام يكون بأمره ونهيه من

(1) ابن أبي العز، شرح الطحاوية (1/ 97) .

(2) ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (4/ 6) .

(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (12/ 522) .

(4) انظر: القرطبي، تفسير القرطبي (18/ 156) . ابن عادل، اللباب في علوم الكتاب (19/ 153) .

(5) [ابن حنبل: مسند أحمد، مسند المكثرين من الصحابة / مسند عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، 7/ 210: رقم الحديث 4145] . صححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت