فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 501

الوجه الرابع: لو كانت أفعاله الحادثة بمعنى أنها مخلوقة، حينها يكون هناك احتمالان، الاحتمال الأول: إما أن يخلقها الله تعالى في محل فتكون هذه الأفعال صفات لذلك المحل، ولا يوصف الله تعالى بها؛ لأن أصل فعلها يعود لذلك المحل، وهذا يعارض القرآن الكريم بنسبة الأفعال لنفسه - سبحانه وتعالى - لا لغيره، مثل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] ، وقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245] ، إذ لو كانت هذه الصفات مخلوقة لكانت صفات لغيره، وما وصف الله تعالى نفسه بها؛ لأنه يستحيل أن يوصف الله تعالى بمخلوق.

الاحتمال الثاني: أن يخلقها قائمة بنفسها وذلك ممتنع؛ لأنها صفات والصفات لا تقوم بنفسها، وهذا معلوم بالضرورة. [1]

وإذا بطل الاثنان، حينها لا يبقى إلا أن يقال: أن أفعال الله تعالى صفات له قائمة بذاته غير مخلوقة؛"لأن كونها مخلوقةً يقتضي أن له خلقًا، والخلق القائم به لو كان مخلوقًا لكان له خلق، فيلزم أن يكون كل خلق مخلوقًا؛ فيكون الخلق مخلوقًا بلا خلق وهذا ممتنع". [2] فإن تسفسطوا، [3] وقالوا: يكون المخلوق بلا خلق، والخلق هو نفسه المخلوق، فهذا ممتنع غاية الامتناع؛ لأنه يستحيل أن يكون المفعول بلا فعل، كما يستحيل أن يكون الفعل بلا فاعل، و"لأن المخلوق لا بد له من خلق، فلو خلقه في نفسه لافتقر إلى خلق، وكان ما حدث في نفسه مخلوقًا مفتقرا إلى خلق؛ فيكون خلقه له أيضًا مفتقرا إلى خلق وهلم جرا، وإذا كان كل خلق مخلوقًا لم يبقَ خلق إلا مخلوق، وإذا لم يبق خلق إلا مخلوق لزم وجود المخلوق بلا خلق، إذ ليس لنا خلق غير مخلوق". [4]

الوجه الخامس: قيام الصفات في ذاته المقدسة لا يعني جواز قيام كل صفة، بل يعني قيام صفات الكمال دون صفات النقص، وهكذا في أفراد الصفات، إذا جوّزنا أن يقوم به كلام لم نجوز قيام كل كلام به، وإذا جاز قيام إرادة به، لم يجز قيام إرادة كل شيء به، وإنما يقوم به

(1) انظر: العمراني، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (2/ 552) . ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 319 - 320) . ابن الملقن، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (33/ 504) .

(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 321) .

(3) السفسطة هي: قياس مركب من الوهميات، والغرض منه تغليط الخصم، ويطلق لفظ السوفسطائية على فرقة ينكرون الحسّيّات والبديهيات وغيرها، قالوا الضروريات بعضها حسّيّات، والحسّ يغلط كثيرا كالأحول يرى الواحد اثنين والصفراوي يجد الحلو مرّا والسوداوي يجد المرّ حلوا، والشخص البعيد عن شيء يراه صغيرا .. إلخ. انظر: المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 194) التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (1/ 957)

(4) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 321) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت