ما يليق بجلاله، وما يناسب كبرياءه، إذ هو موصوف بصفات الكمال، [1] وبما أن أفعال الله تعالى كلها خير، ولا يتطرق إليها الشر في وجه من الوجوه، فهي صفات كمال، والأصل إثبات صفات الكمال وعدم نفيها لمجرد شبهة كلامية مذمومة.
الوجه السادس: مما يتفق عليه أن الحوادث الموجودة تدل على محدث لها، وعليه يقال: هذا المحدث لها: إما أن يحدثها بفعل اختياري يقوم به، وإما أن تحدث عنه شيئًا بعد شيء من غير فعل يقوم به ولا حدوث شيء منه، فلو فرضنا أن الاثنين جائزان، فاتصافه بالأول أولى ويدل على كماله من الثاني؛ لأن الذي يفعل مختارًا أكمل من الذي يفعل بلا مشيئة، هذا وقد تبين بطلان الثاني وامتناعه؛ لأن حدوث الحوادث من غير سبب حادث ممتنع، ولأنه إذا كان حال الفاعل قبل حدوثها كحاله بعد حدوثها، وهي في الحالين حادثة، لم يكن الفاعل قد فعل شيئًا ولا أحدث شيئًا بل حدثت بذاتها. [2]
الأصل الثاني: أما الأصل الثاني عند الكليني الذي عطل فيه صفات الله تعالى الفعلية، فهو خلطه بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق، ففسّر فعل الله تعالى بالمفعول المنفصل عنه، [3] وهذا الأصل تم الإشارة إليه في نقده لمفهوم الصفات الفعلية، إذ جعل المشيئة والإرادة هي فعل الله تعالى، وهذا الفعل بحد ذاته عنده مخلوق، ودلّ عليه كذلك قول الكليني في معرض تفريقه بين الصفات الفعلية والذاتية، إذ قال:"إِنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ وَصَفْتَ اللَّهَ بِهِمَا وَكَانَا جَمِيعًا فِي الْوُجُودِ، فَذَلِكَ صِفَةُ فِعْلٍ، وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّكَ تُثْبِتُ فِي الْوُجُودِ مَا يُرِيدُ وَمَا لَا يُرِيدُ، وَمَا يَرْضَاهُ وَمَا يُسْخِطُهُ وَمَا يُحِبُّ وَمَا يُبْغِضُ"، ووجه الدلالة أنه جعل ما في الوجود مما يفعله العبد، والذي منه يريده الله تعالى ومنه لا يريده، جعله فعلًا لله تعالى، وهذا يدل على أنه يساوي بين الفعل الذي هو صفة لله تعالى وبين المفعول الذي هو خلق لله تعالى وفعل للعبد؛ والمتفق عليه بين العقلاء أن كل ما في الوجود هو مفعوله المخلوق، الذي هو فعل له - سبحانه وتعالى - إذا كان بمعنى خلق له أو أثر فعله تعالى، [4] وهذه المساواة فاسدة من وجوه:
(1) انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (4/ 58 - 59) .
(2) المرجع السابق، ص 11. بتصرف.
(3) انظر: الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة (2/ 376) .
(4) دل على هذا المعنى قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 10، 11] ، والشاهد أنه أطلق على المخلوقات أنه فعل لله تعالى بمعنى أنه أوجدها وخلقها، أي أن أصل وجودها يعود لخلقه إياها.