فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 501

الوجه الأول: دلالات الآيات القرآنية تثبت أن أفعال الله تعالى غير مفعوله، وأن أفعاله - سبحانه وتعالى - صفات له غير مخلوقة، ومن الآيات الدلالة على ذلك:

أ قوله تعالى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] ، والشاهد ما ذكره الماتريدي فقال:"هذه الآية ترد على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا) ذكر - سبحانه وتعالى: قَضى، وذكر: أَمْرًا، وذكر - سبحانه وتعالى: كُنْ فَيَكُونُ، ولو كان التكوين والمكون واحدًا لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ (كن) تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره". [1]

ب قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] ، تتضمن هذه الآية نوعي الصفات الفعلية المتعدية وغير المتعدية، وقد علمنا بأن المتعدية يشترط بها المفعول وغير المتعدية لا يشترط، فالمتعدي صفة الخلق في قوله: (خلق) ، وغير المتعدي، هو الاستواء، والمفعول في المتعدي (ما في الأرض جميعًا) وهو غير الفعل خلق؛ لأنه لو كان هو لحل محله والسياق يمنع أن يسد مسده، والفعل غير المتعدي يدل على أن الفعل غير المفعول، لأنه يتعذر حمل صفة الاستواء على المفعول لعدم وجوده أصلًا، فحينها يتأكد القول بأن الفعل غير المفعول، ثم لو كان الفعل هو المفعول ثم كان المفعول صفة له، لكان كل ما في الأرض صفة له تعالى الله عن ذلك.

ت قوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] والشاهد أنه فرَّق بين رضاه والأسباب الموجبة لرضاه، وفرَّق بين سخطه وغضبه والأسباب الموجبة لذلك، وهي أفعال العبيد. [2]

ث الآيات القرآنية دلت على التفريق بين فعل الله تعالى الذي هو صفة له، وبين أثر هذا الفعل الذي هو مفعول له، ومثال ذلك قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 48 - 50] ، ففعل الله تعالى إرسال الرياح، وأثر هذا الإرسال إثارة السحاب وخروج الودق - المطر- من خلاله، وإصابة أحد من عباده يرجع لمشيئته، ثم بيَّن - سبحانه وتعالى - أن هذا

(1) الماتريدي، تفسير الماتريدي (1/ 548) .

(2) انظر: السفاريني، لوامع الأنوار البهية (1/ 256) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت