فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 501

الضابط الثاني: إن ما يوجد في الوجود من أمر وضده صفة فعل، وما كان في الوجود من أمر دون ضده فهو صفة ذات، وهذا ما دلّ عليه قول الكليني:"إِنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ وَصَفْتَ اللَّهَ بِهِمَا وَكَانَا جَمِيعًا فِي الْوُجُودِ، فَذَلِكَ صِفَةُ فِعْلٍ، وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّكَ تُثْبِتُ فِي الْوُجُودِ مَا يُرِيدُ وَمَا لَا يُرِيدُ، وَمَا يَرْضَاهُ وَمَا يُسْخِطُهُ وَمَا يُحِبُّ وَمَا يُبْغِضُ"، وقوله:"أَلَا تَرَى أَنَّا لَا نَجِدُ فِي الْوُجُودِ مَا لَا يَعْلَمُ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ".

مناقشة هذا الضابط:

أ هذا الضابط من الأمور المشكلة والغامضة، والغموض يرجع فيه للتعبير؛ لأنه جعل ما في الوجود صفات لله تعالى، لهذا يقال للكليني ماذا تعني بقولك: (كانا في الوجود، وأنها صفات لله تعالى) ؟ أتعني أن تعلق الموجود بصفات الله تعالى يدلنا على التفريق بين صفات الذات وصفات الفعل؟ أي أن صفة المحبة والبغض متعلقة بفعل العبد لما يبغضه الله تعالى أو يحبه، وصفة العلم والقدرة متعلقة بفعل العبد، أي أنه لا يوجد في أفعال العباد ما لا يعلمه وما لا يقدر عليه، فتكون صفات ذاتية لا فعلية، أم تعني أن ما في الوجود تسمى صفات لله تعالى تسمية اعتبارية غير حقيقة؟ وأن ما يريده وما لا يريده هو إرادة الله تعالى، وما يرضيه وما يغضبه هما رضى الله تعالى وغضبه، وهكذا صفة المحبة هي فعل ما يحبه الله تعالى، كما قاله المفيد فيما نقله عنه الشيعي المعاصر محمد الأنصاري قال:"الإرادة التي في الأخبار فهي الإرادة التي هي من الصفات الفعلية، كالرزق، والخلق، وهي نفس الموجود الخارجي: من زيد، وعمرو، والأرض، والسماء". [1]

فإن كان المقصود هو الأول فهذا يلزمه إثبات الصفات الفعلية والذاتية على حد سواء؛ لأن عدم وجود ما لا يعلم وما لا يقدر عليه تعلقه يختلف عن تعلق ما يحب وما يبغض، فكما أن علم الله تعالى وقدرته يتعلق بفعل العبد، كذلك المحبة والبغض تتعلق بفعل العبد، والفرق بينهما أن الصفات الذاتية لا تعلق لها بالأسباب، وبعض الصفات الفعلية كالبغض والمحبة والرضى والغضب متعلقة في الأسباب، وبعضها بالمشيئة، ويلزمك على هذا كما فرقت بين القدرة والمقدور والعلم والمعلوم والسمع والمسموع يلزمك كذلك التفريق بين المحبة والمحبوب، والبغض والمبغوض والغضب والمغضوب ... إلخ، وإن كان المقصود الثاني، وهو الظاهر كما دل عليه قوله: ما يريده وما لا يريده، وما يرضاه وما يسخطه، فهو باطل؛ لأنه يساوي بين فعل الله تعالى ومفعوله، وبين الصفة ومتعلقها، فيستلزم أن متعلق القدرة هو القدرة كما أن متعلق البغض والمحبة هو البغض والمحبة، وهذا باطل لما مر معنا.

(1) الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة (2/ 376) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت