ب طرد هذا الضابط وجعله هو المحدد للتفريق بين صفات الله تعالى باطل وغير منضبط؛ لأننا وجدنا في الوجود ما هو قديم بالنسبة لغيره، كما في قوله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] والكليني يجعل صفة القدم صفة ذاتية لله تعالى، وكذلك وجدنا في الوجود العدل والظلم، والعدل يرضاه والظلم يسخطه، والكليني جعل العدل صفة ذاتية لا فعلية، وهكذا بقية الصفات.
ت- قوله أنك تثبت في الوجود ما يريد وما لا يريد، يتناقض مع قوله: إن الإرادة من الله الإحداث والفعل فقط، لأنه يستلزم أنه يوجد في الوجود ما لا يريده، أي ما لا يفعله ولم يحدثه أي يخلقه، وهذا يستلزم إثبات خالق مع الله تعالى، فإن قالوا: أن المقصود بالإرادة هنا المحبة، قيل لهم المقصود غير ذلك؛ لذكره المحبة والبغض في نفس السياق، وإن سلمنا لكم بذلك، فهو دليل عليكم في إثبات صفة المحبة والبغض؛ للتفصيل السابق.
الضابط الثالث: من ضوابط الصفات الذاتية عند الكليني أنه لا يوصف بالصفة وضدها، ومن ضوابط الصفات أن الفعلية يوصف بالصفة وضدها، وهذا ما دل عليه قوله:"وَكَذَلِكَ صِفَاتُ ذَاتِهِ الْأَزَلِيِّ لَسْنَا نَصِفُهُ بِقُدْرَةٍ وَعَجْزٍ، وَعِلْمٍ وَجَهْلٍ، وَسَفَهٍ وَحِكْمَةٍ وخطأ، وَعِزٍّ وَذِلَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يُحِبُّ مَنْ أَطَاعَهُ، وَيُبْغِضُ مَنْ عَصَاهُ، وَيُوَالِي مَنْ أَطَاعَهُ، وَيُعَادِي مَنْ عَصَاهُ، وَإِنَّهُ يَرْضَى وَيَسْخَطُ"، علق على هذا الكلام المازندراني فقال:"معيار صفات الفعل عند المصنّف جواز اتّصافه تعالى بها وبضدِّها في الوجود". [1]
مناقشة هذا الضابط:
أ هذا الضابط غير منضبط: لأن هناك صفات اعتبرها الكليني ذاتية ويتصف الله تعالى بضدها، كما أن هناك صفات فعلية ولا يوصف بضدها، ومثال ذلك أنه عدّ صفة المغفرة ذاتية، فقال: أنه لا يجوز أن يقال يغفر ولا أن لا يغفر. أي لا يتصف بضد المغفرة، والأدلة دلت على خلاف ذلك كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 129] فالمغفرة وعدم المغفرة تكون بمشيئته تعالى، إن شاء غفر، وإن لم يشأ لم يغفر، ومثال ما عدّه من الصفات الفعلية صفة الكلام، فصفة الكلام ضدها الخرس، فهل يتصف الله تعالى بصفة الكلام والخرس؟! لأن الضابط يقول كل ما اتصف به وبضده هو صفة فعل، وهذا يستلزم أن يوصف الله تعالى بالنقائص؛ ولهذا صفة
(1) المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 281) .