الكمال أن يقال إن شاء غفر وإن شاء تكلم لا أنه يتصف بالصفة وضدها، وهذا هو ضابط الصفات الفعلية كما تم بيانه عند البخاري وهو ما دلت عليه الأدلة السمعية والعقلية. [1]
ب الله - جل جلاله - متصف بصفات الكمال ولا يوصف بنقائضها بحال، فلا نقول إن ما لا يريده ناقض لما يريده؛ فالله فعال لما يريد ولا يفعل ما لا يريد، ولا مستكره له أصلًا في كل الأحوال، سواء كانت الإرادة بمعنى المشيئة، أو بمعنى المحبة، فقد يوجد ما لا يريده أي لا يحبه، كوجود الشر، ولكن ايجاده له متعلق بمشيئته؛ لحكم يعلمها الله تعالى مثل حكمة الاختبار والتكليف والعدل والجزاء والعقاب، وهذا خير لا شر فيه، إنما الشر في المخلوق المفعول المنفصل عن الله تعالى والقائم في غيره، ففعل الله تعالى الإيجاد والخلق والتدبير والرزق والرفع والخفض والحب والبغض، وهذه الصفات غير المخلوق والمرزوق والموجود والمحبوب والمبغوض، والشر يكون قائمًا في المبغوض، والخير قائم في المحبوب؛ لهذا لا يقال ما يبغضه ناقضًا لما يحبه؛ لأن متعلق صفة البغض تختلف عن متعلق صفة المحبة، وإنما نقول قيام صفة البغض في ذاته على ارتكاب المنهي عنه صفة كمال؛ لأنه إن لم يبغضه ليس ثمة فرق بينه وبين ما يحبه، وهكذا القول في سائر الصفات. [2]
الضابط الرابع: يمتنع أن يقال في الصفات الذاتية يجوز أن يقدر أو لا يجوز أن لا يقدر، ويمتنع أن يقال يجوز أن يكون عزيزًا أو حكيمًا، ولا يقدر أن لا يكون عزيزًا أو حكيمًا، وهكذا في بقية الصفات الذاتية، وأما في الصفات الفعلية فيجوز القول بأنه أراد هذا ولم يرد هذا، وهذا ما دل عليه قوله:"وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَقْدِرُ أَنْ يَعْلَمَ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَعْلَمَ، وَيَقْدِرُ أَنْ يَمْلِكَ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَمْلِكَ، وَيَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ عَزِيزًا حَكِيمًا وَلَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَكُونَ عَزِيزًا حَكِيمًا ... ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَالْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: أَرَادَ هَذَا وَلَمْ يُرِدْ هَذَا".
المناقشة.
هذا الضابط فيه إجمال وغموض؛ ووجه الإجمال أنه ذكر الضابط للصفات الذاتية والفعلية ولم يبين الضابط الذي يقابله في كل من الذاتية والفعلية، أي ذكر طرده دون عكسه، فيقال: إن قصد في قوله: أنه لا يجوز أن يقال يقدر أن يعلم ولا يقدر أن لا يعلم، ولا يجوز أن يقال: بأنه يقدر أن يكون عزيزًا، ولا يقدر أن لا يكون عزيزًا، في الصفات الذاتية، طرده دون عكسه على الصفات الفعلية، أي يجوز القول في الصفات الفعلية أن يقال: يقدر أن يكون
(1) انظر: كردية، موقف الإثنا عشرية من الصفات الإلهية (ص: 156) .
(2) انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (4/ 55) . ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 181) .