البدن. [1] هذا عن معنى الجسم عند الكليني، أما عن نفي الجسم والصفات التي تتصف بها الأجسام، فقد بوب في ذلك بابًا خاصًا وسماه: باب النهي عن الجسم والصورة، [2] ونفى في الروايات أن يكون الله تعالى جسمًا، وألحق بهذا النفي نفي بعض الصفات؛ لأن اتصاف الله - سبحانه وتعالى - بها يستلزم تشبيه الله تعالى بالأجسام المتصفة بها، ومن أهم الروايات التي رواها في ذلك، روى عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ:"قُلْتُ: لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام - سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَرْوِي عَنْكُمْ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ صَمَدِيٌّ نُورِيٌّ، مَعْرِفَتُهُ ضَرُورَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ! فَقَالَ - عليه السلام: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] لَا يُحَدُّ وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُجَسُّ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَلَا الْحَوَاسُّ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شيء، وَلَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ، وَلَا تَخْطِيطٌ وَلَا تَحْدِيدٌ"، [3] ففي هذه الرواية ينزه الله تعالى عما نسبه هشام بن الحكم، وهشام بن سالم أو القائلين بأن الله تعالى جسم، وعلل نفيه بأن يكون جسمًا، بنفي صفات تجري على الأجسام، مثل: أنها تحس أي ترى، والله لا يرى، [4] أو يجس أي يمس، والله لا يمس، أو تحدد وتخطط والله لا تحيطه الحدود ولا الخطوط, [5] وروى كذلك عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمَّانِيِّ قَالَ:"قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ - عليه السلام: إِنَّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء} عَالِمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ نَاطِقٌ، وَالْكَلَامُ وَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ يَجْرِي مَجْرَى وَاحِدٍ، لَيْسَ شيء مِنْهَا مَخْلُوقًا، فَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ؛ أَمَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ، وَالْكَلَامَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ؟! مَعَاذَ اللَّهِ، وَأَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، لَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا تَحْدِيدٌ، وَكُلُّ شيء سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، إِنَّمَا تُكَوَّنُ الْأَشْيَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ وَلَا تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ، وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ". [6] هذه الرواية تبين الغلو في نفي التشبيه، والذي على إثره نفوا أكثر الصفات الثابتة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومنها في هذه الرواية نفي صفة الكلام؛ لأن إثباتها يقتضي التجسيم؛ لهذا قال: (لا تردد في نفس ولا نطق بلسان) ، إذ قاس الغائب على المشاهد فحكم أنه لا نطق إلا بلسان، واللسان من صفات الأجسام فنفى صفة الكلام على أثر ذلك، وهذا ما دل عليه قول المازندراني في
(1) الكليني، أصول الكافي (1/ 63) .
(2) انظر: المرجع السابق، ص 77.
(3) [المرجع نفسه، التوحيد/ النهي عن الجسم والصورة، 1/ 76: رقم الحديث 1] .
(4) قال الطوسي: الرؤية لا تقع إلا على الأجسام والألوان، والبارئ تعالى ليس بجسم ولا لون، فلا يكون بمرئي بحاسة البصر. الطوسي، الرسائل العشر (ص: 105) .
(5) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 221) . النائيني، الحاشية على أصول الكافي (ص:350) . الشيرزاي، جعفر، شرح أصول الكافي (2/ 173) .
(6) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ النهي عن التجسيم والصورة، 1/ 77: رقم الحديث 7] .