فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 501

شرحه على هذه الرواية فقال:"هنا نفي، أنَّ تكوينه للأشياء بأن يصدر عنه الحرف والصوت وينطق بكلمة كن ونحوها؛ لأنَّ ذلك من صفات الخلق وهو سبحانه منزَّه عنها"، [1] ومن الروايات التي ينفي الكليني بها الصفات عن الله تعالى بحجة اتصاف الأجسام بها، ما رواه عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أن كَانَ مِنْ سُؤَالِهِ:"فَلَهُ رِضًا وَ سَخَطٌ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام: نَعَمْ، [2] وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا حَالٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فَتَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ أَجْوَفُ مُعْتَمِلٌ مُرَكَّبٌ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَخَالِقُنَا لَا مَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ وَاحِدِيُّ الْمَعْنَى، فَرِضَاهُ ثَوَابُهُ وَسَخَطُهُ عِقَابُهُ مِنْ غَيْرِ شيء يَتَدَاخَلُهُ فَيُهَيِّجُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْعَاجِزِينَ الْمُحْتَاجِينَ". [3] هنا فسر معنى الرضى والغضب بلازم الصفة وهو الثواب والعقاب، ولا يقصد به إثبات قيام صفة الغضب والرضا في ذات الله تعالى؛ لأن ذلك يقتضي التجسيم، وسيأتي تفصيل هذه الرواية في نماذج على الصفات - إن شاء الله تعالى-.

السبب الرئيس في نفي الكليني الجسم عن الله تعالى.

السبب الرئيس في نفيه الجسم عن الله تعالى؛ هو أن الأجسام لا تكون إلا محدودة ولها نهاية، والله منزه عن ذلك، ولأن"الجسم يطلق على الحقيقة التي يلزمهما التقدر والتحدد"، [4] ولأن كل محدود يعدّ قابلًا للانقسام ومخلوقًا، [5] وهذا ما دل عليه ما رواه عن أبي عبد الله أنه قال:"الْجِسْمَ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ، وَالصُّورَةَ مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، فَإِذَا احْتَمَلَ الْحَدَّ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَإِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ كَانَ مَخْلُوقًا". [6] علق الجزائري على هذه الرواية فقال:"استدل - عليه السلام - على نفي جسميته تعالى بأنه لو كان جسمًا لكان محدودًا بحدود متناهيًا إليها ... ، وكل"

(1) المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 237) .

(2) قوله: نعم. ليس إثباتًا للصفة، أي أن الله تعالى متصف بها، إنما إثبات إضافتها لله كإضافة المخلوقين له تعالى، والسياق يدل على ذلك.

(3) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الارادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، 1/ 80: رقم الحديث 6] .

(4) المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (2/ 7) .

(5) نظرًا لوجود العلاقة بين مسألة التركيب والتجسيم تجد من علماء الشيعة يحملون نفي الحد تارة على نفي التركيب وتارة على نفي الجسم، ومن هذا ما استدل به السبحاني من الكافي فيما نسب الكليني لعلي - رضي الله عنه - أنه قال:"لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَى حَدِّهِ". [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ جوامع التوحيد، 1/ 100: رقم الحديث 7] . بأن في هذا الكلام إشارة إلى بساطة ذاته والبسيط هو ما قابل المركب. انظر: السبحاني، مختصر محاضرات في الإلهيات (ص:53) .

(6) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ النهي عن التجسيم والصورة، 1/ 77: رقم الحديث 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت