واستدل كذلك بدليل الحد على نفي التركيب الذي انتقل من خلاله إلى نفي الصفات؛ بحجة أن الله واحد بسيط لا مدخل فيه لأي شيء وإن كانت صفاته، [1] فنسب الكليني لعلي - رضي الله عنه - أنه قال:"فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ - سبحانه وتعالى -، فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ"، [2] ذكر الشراح معنى الحد في هذه الرواية على معانٍ عدة، منها: ما ذكره المازندراني: أن الحدَّ لله تعالى، وصفه بصفات وكيفيات تليق بالخلق زائدة على ذاته، [3] أي وصف الله تعالى بأنه له ذات وصفات وذاته غير صفاته، بمعنى أنها حقيقية قائمة بذاته ومتعددة؛ لأن من أثبت هذا فقد شبه الله تعالى بالمخلوق، فالمشاهد في المخلوق قيام صفاته به وتعددها، فعليه لم ينفِ من أثبت هذا المعنى التشبيه عن الله تعالى بينه وبين خلقه، وهو ينقض مفهوم عينية الصفات، [4] وهذا ما أكده البحراني في شرحه على هذه الرواية في نهج البلاغة فقال:"المراد أنّه ليس له صفة فتحدّ؛ إذ هو تعالى واحد من كلّ وجه منزّه عن الكثرة بوجه ما، فيمتنع أن يكون له صفة تزيد على ذاته كما في سائر الممكنات، وصفاته المعلومة ليست من ذلك في شيء إنّما هي نسب وإضافات لا يوجب وصفه بها كثرة في ذاته، وممّا يؤكَّد هذا التأويل قوله - عليه السلام - بعد ذلك: (فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه) "، [5] وقال الخوئي:"ليس له حدّ لتنزّهه عن الأجزاء والنّهايات، والحدّ مستلزم للتّجزية والتكثّر المنافي للوجوب الذّاتي"، [6] وهذا هو عين السبب الذي جعل أصحاب التعطيل - كالجهمية والمعتزلة وغيرهم- يعطلون صفات الله تعالى، إذ أطلقوا أولًا على الصفات أنها تركيب وجواهر وأعضاء وأعراض، وهذه إما أجسام أو قائمة في أجسام، فيقولون بأن الجسم أو ما قام به محدود، وما دام محدودا فهو مخلوق. [7]
مناقشة مصطلح الجسم والحد:
أولًا: مناقشة مصطلح الجسم.
(1) انظر: [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ باب الارادة أنها من صفات الفعل، 1/ 80: رقم الحديث 6] . الكاشاني، الوافي (1/ 348) .
(2) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ جوامع التوحيد، 1/ 100: رقم الحديث 5] .
(3) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (4/ 194) .
(4) انظر: الشيرازي، جعفر، شرح أصول الكافي (2/ 401) . المظفر، دلائل الصدق لنهج الحق (2/ 281) .
(5) البحراني، شرح نهج البلاغة (1/ 115) . وانظر: المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (2/ 102) .
(6) الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (1/ 305) .
(7) انظر: ابن عثيمين، شرح العقيدة السفارينية (1/ 730) .