نفى الكليني عن الله تعالى أن يكون جسمًا، ونفى كذلك عنه الكثير من الصفات لاتصاف الأجسام بها، كصفة الكلام والرضا والغضب والمحبة والنزول والمجيء والاستواء وغيرها، ولم يبيّن معنى الجسم بالتحديد؛ ولهذا نذكر الأقوال المحتملة في معنى الجسم فنثبت المعنى الصحيح ونرد الباطل، على التفصيل التالي:
1 -الجسم في اللغة: جماعة البدن أو الأعضاء، ويطلق على عظيمة الخلق، [1] بما أن المعنى اللغوي دل على تخصيص الجسم بالبدن والأعضاء، ويقصد به أبدان الكائنات الحية وأعضاؤها، فيدل ذلك على أن استخدامه في حق الله تعالى من الأمور المبتدعة أصلًا، فعليه يسقط الاستدلال به لنفي الصفات بحجة نفي التشبيه.
2 -الجسم في اصطلاح المتكلمين: تعددت المعاني للجسم في اصطلاح المتكلمين، من قائل بأنه القائم بنفسه، والمتصف بصفات معينة تميزها عن غيرها وتليق بها، أو الموجود، أو المشار إليه، فهذه المعاني في حق الله تعالى حق، واستخدام اللفظ في حقه تعالى مبتدع فيرد؛ لأننا نؤمن بأن لله تعالى ذاتًا موصوفة بالصفات اللائقة به - جل جلاله -.
وأرادوا كذلك بالجسم بأنه الشيء المكوّن من أشياء مفتقر بعضها إلى بعض كلحم ودم وبدن وأعضاء، ولا يمكن أن يقوم إلا باجتماع هذه الأجزاء، أو ما يقبل التفريق والانفصال أو المركب من مادة وصورة، أو هو المركب من الجواهر الفردة، أو المركب من مجموعة أعراض مجتمعة، فكل هذه المعاني باطلة وترد فيرد على ذلك اللفظ والمعنى. [2]
3 -تصور الكليني بأن الصفات لا يمكن أن تكون سوى أجزاء وتراكيب وأعراض، وهذه الأمور من صفات الأجسام، والله لا يشبه الأجسام؛ لهذا الله - سبحانه وتعالى - عنده لا يتكلم ولا يشاء ولا يغضب ولا يرضى ولا يحب ولا يكره؛ لأن ذلك يقتضي التغير والزوال والزيادة والنقصان، وهذا من صفات المخلوق المحدود، وليس له وجه ولا صورة ولا يد ولا عين؛ لأن ذلك يقتضي التركيب والأجزاء المحدودة، وهذا باطل؛ لأن هناك صفات ينفيها الكليني عن الله تعالى كصفة النزول والمجيء والاستواء والتكلم والرضا والغضب، وعلل نفيها بنفي التجسيم، [3] وعند النظر في المخلوقات تجد بعضها ليست أجسامًا، وتجدها تتحرك وتذهب وتجيء وتصدر أصواتًا، مثل الهواء في
(1) انظر: ابن منظور، لسان العرب (12/ 99) .
(2) انظر: ابن تيمية، التدمرية (ص: 53) . الذهبي، المنتقى من منهاج الاعتدال (ص: 80) . الجرجاني، التعريفات (ص: 76) .أبو البقاء، الكليات (ص: 344) . التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (1/ 564) ابن عثيمين، شرح العقيدة الواسطية للعثيمين (1/ 177 - 178) .
(3) انظر: [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ تأويل الصمد، 1/ 89: رقم الحديث 2] . [المرجع السابق، التوحيد/ الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، 1/ 80: رقم الحديث 5] .