علوه على الأرض، ومثل الريح في إصداره للأصوات وذهابه ومجيئه، ومثل الروح فهي تتألم وتحزن وتفرح وتعذب وتذهب وتجيء وتتحرك وتسمع وتتكلم، وهناك مخلوقات لا تتصف بصفات الأبدان وتسمى أجسامًا كالصخور والجبال، وقد جاء في القرآن بأنها تتكلم وتسبح وتأوِّب، وليس لها أعضاء، فعلم بذلك أن نفي الصفات عن الله تعالى؛ لأنه يستلزم التجسيم قياسًا على هذه المخلوقات باطل، لأننا رأينا وجود هذه الصفات في غير الأجسام، ورأيناها كذلك في مخلوقات ليس لها أعضاء وجوارح، فهذا التباين والاختلاف في الصفات بين المخلوقات فكيف برب الأرض والسموات؟!!. [1]
ثانيًا: مناقشة لفظة الحد.
جاء لفظ الحد عند الكليني في روايات عدة، وكلها في سياق نفي الجسم أو بعض الصفات، ولم يبين في رواياته قصده بالحد؛ لهذا يعدّ لفظ الحد من جنس لفظ الجسم والتركيب فيقال فيه ما قيل فيهما، فيسأل من نفى أو أثبت الحد لله تعالى، ماذا تقصد بنفيك أو إثباتك، فإن قال مثبته أو نافيه:
1 -بأن معنى الحد البينونة والانفصال، أي أن الله تعالى بائن عن خلقه منفصل عنهم، فنفي هذا المعنى لا يجوز.
2 -وإن أراد النافي للحد القول: بأن الله في كل مكان وليس بائنًا عن خلقه فهذا باطل، [2] ووجه بطلانه ما بينه ابن أبي العز الحنفي فقال:"ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حال في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه؛ فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلا، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته، وأما الحد بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة". [3]
3 -وإن كان النافي للحد يقصد به النهي عن التكييف لصفات الله تعالى وتمثيله بخلقه، وأنه لا يحاط علم الحقائق به فنفيه حق. [4]
(1) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (3/ 33) و (5/ 214) .
(2) انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (20/ 86) .
(3) ابن أبي العز، شرح الطحاوية (1/ 263) .
(4) انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (20/ 86) .