استخدم الكليني لفظ الجوهر في نفي التشبيه عن الله تعالى، وعنى به الروح، وأورد رواية مجملة في النفي؛ لهذا يقال إن عنى بنفيه الشبه عن الله تعالى بنفيه الصفات التي تتصف بها الأرواح فنفيه باطل، لأن المنفي عن الله تعالى مشابهة الصفات لا الصفات، وإن قصد بنفيه الشبه إثبات الصفات بأنه يتكلم ويشاء ويستوى ويجيء ويرضى ويغضب، مع نفي المثل والشبه لله تعالى بهذه الصفات فهذا حق، وهو لا يقول به، ودل عليه نفيه لكل هذه الصفات، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى-.
وأما الجزئية الثانية ورواية: (بتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له) يستفصل منه فيقال: ماذا تعني بأن لا جوهر له؟ أي لا روح له، فيكون تعريفك للجوهر مطردًا، أم لا جوهر له بمعنى الجوهر عند المتكلمين بأنه القائم بنفسه، [1] فإن كان بالمعنى الأول أي بأن لا روح له، فهذا لا دليل على إثباته أو نفيه في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وإن قصد بالروح الحياة، فالله - عز وجل - حي له حياة؛ لهذا لا يجوز نفي هذا المعنى، [2] وإن كان بالمعنى الثاني وهو القائم بنفسه، ويقصد بأنه لا جوهر له حتى يقوم بنفسه أو يتحيز عن خلقه فنفي هذا المعنى باطل، واستخدام اللفظ يرد. [3]
4 -نفي صفات الأعراض عن الله تعالى. [4]
جاء لفظ العرض عند الكليني في موضع واحد من الكافي كشرح على رواية ينسبها لعلي - رضي الله عنه - أنه قال فيها:"لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ فِيهَا كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ"، [5] علق الكليني على هذا الكلام فقال:"فَنَفَى - عليه السلام - بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ صِفَةَ الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ؛ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ التَّبَاعُدَ وَالْمُبَايَنَةَ، وَمِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ الْكَوْنَ فِي الْأَجْسَامِ بِالْحُلُولِ عَلَى غَيْرِ مُمَاسَّةٍ، وَمُبَايَنَةُ الْأَجْسَامِ عَلَى تَرَاخِي الْمَسَافَةِ"، [6] ومعنى العرض عند
(1) انظر: الاسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين (ص: 101)
(2) انظر: ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (3/ 475) .
(3) انظر: الذهبي، المنتقى من منهاج الاعتدال (ص: 109) . العمراني، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (1/ 98) .
(4) العرض عند المتكلمين: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع، يقوم به، ومنهم من قال: هو الوجود الذي لا يتصور بقاؤه في زمانين. انظر: الجرجاني، التعريفات (ص: 148) . أبو البقاء، الكليات (ص: 625) .
(5) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ جوامع التوحيد، 1/ 97: رقم الحديث 1] .
(6) وقد عدَ المفتونون بالكليني استخدامه هذه المصطلحات من مناقبه؛ وأنه بذلك قد جارى الفلاسفة والمناطقة في التحليل والنقد فقال عبد الرسول: هذه الكلمات وغيرها يتضح أن الشيخ الكليني له باع في علم الكلام، كما أن ذهنيته في التحليل والنقد قد جرت مجرى الفلاسفة وأهل المنطق. عبد الرسول، الكليني والكافي (ص: 347) .