الكليني كما هو واضح أنه الكون والحال في الأجسام غير مباين لها على تراخي مسافة بينهما، وبمعنى أخر هو الحال في الجسم من غير مجاوزة ولا وجود له بدونه، ولا يمكن قيامة بذاته. [1] والشاهد الذي يدل على نفيه الشبه بين الله تعالى وبين المخلوق- والذي هو في حقيقته نفي للصفات- قوله: نفى بهاتين الكلمتين صفة الأعراض والأجسام، فهذا يدل عنده على أن الله تعالى لا يوصف بصفات الأعراض وصفات الأجسام، التي في حقيقتها صفات قائمة في ذات الموصوف، وإنما سماها أعراضًا وأجسامًا لتلبيس الحق بالباطل؛ لأننا لو سألناه: ما هي صفة الأجسام والأعراض؟ لعدد صفات مسماها يطلق على الله تعالى كصفة السمع والبصر والكلام والبينونة عن خلقه والمشيئة والاستواء والعلو والضحك والمحبة وغيرها من الصفات، لهذا يسميها في الإنسان تركيبًا وأعراضًا ويصف الله تعالى بنفي ضدها أو يحرف معانيها.
مناقشة استخدام لفظ العرض في نفي الصفات.
قبل مناقشة الكليني في لفظ العرض، لابد من بيان خطأ الكليني في فهم كلام عليّ - رضي الله عنه -. [2]
يعدّ تعليق الكليني على الكلام الذي ينسبه لعلي - رضي الله عنه - ليس في محله؛ لأن معنى كلام علي - رضي الله عنه -، أن الله تعالى غير حال في المخلوقات ليقال أنه كائن فيها، وهذا صحيح، وقول الكليني بأنه ينفي بذلك عنه صفة الأعراض باطل، لأن سياق الكلام عن الذات لا عن الصفات، وقد مر قبل أسطر بأن العرض لا يقوم بنفسه إنما بغيره، وأما قوله: لم ينأ عنها فيقال هو منها بائن. فهذا كذلك صحيح؛ لأنه يقصد هنا أن الله تعالى لا يعزب ولا يغيب عنه العلم والإحاطة بالمخلوقات، والذي دل علي ذلك سياق الكلام، إذ قال - رضي الله عنه - بعد الكلام السابق:"لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ، وَأَتْقَنَهَا صُنْعُهُ، وَأَحْصَاهَا حِفْظُهُ، لَمْ يَعْزُبْ عَنْهُ خَفِيَّاتُ غُيُوبِ الْهَوَاءِ، وَلَا غَوَامِضُ مَكْنُونِ ظُلَمِ الدُّجَى، وَلَا مَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى إِلَى الْأَرَضِينَ السُّفْلَى، لِكُلِّ شيء مِنْهَا حَافِظٌ وَرَقِيبٌ"وهذا الكلام يتناقض مع روايات الكافي في القول بعينية الصفات، ويتناقض كذلك مع كلام الكليني بنفيه البينونة عن الله تعالى؛ لأنها من صفات الأجسام، وهذا كفر؛ لأنه إن لم يكن مباينًا لخلقه فهو حال فيهم، وهذا ما دل عليه قول الكليني إذ قال: (صفة الأجسام التباعد والمباينة) ، وتأويل قول الكليني بأنه يريد بنفي المباعدة والمباينة، إثبات العلم والإحاطة
(1) انظر: الطوسي، الرسائل العشر (ص:105) . السيوري، النافع يوم الحشر (ص: 50) . المازندراني، شرح أصول الكافي (4/ 158) .
(2) الرواية في أصلها ضعيفة لضعف محمد بن يحيى. انظر: البرقعي، كسر الصنم (ص:103) .