5 -نفي التشبيه بنفي التبعيض.
جاء نفي التبعيض عند الكليني عن الله تعالى في رواية واحدة مقرونة بنفي الحد ينسبها لأبي جعفر قال فيها:"أَنْشَأَ مَا شَاءَ حِينَ شَاءَ بِمَشِيئَتِهِ لَا يُحَدُّ وَلَا يُبَعَّضُ". [1] ولم يبين معنى التبعيض على التحديد، والظاهر من كلام الشراح أنه يعني به الأجزاء والجوارح والأعضاء كالعين واليد والوجه؛ لأنه في الأصل ينفي هذه الصفات، ويعدّها في حق الله تعالى أعضاءً وأبعاضًا، وهذا ما دل عليه قول الشيرزاي:"أي لم يصفوه بما يستلزم حدودًا له، كوصفه بالمكان والزمان والانتقال، كما لم يصفوه بأن له أجزاء كالأعضاء والجوارح ونحوها". [2] ويعدّ التبعيض ناقضًا لتوحيد الصفات عند الكليني؛ لأنه يستلزم التشبيه بالممكنات المخلوقات. [3]
مناقشة لفظ التبعيض عند الكليني.
دليل التبعيض مشابه لدليل التركيب، والرد عليه مماثل للرد على التركيب؛ لأنه من جملة الألفاظ المجملة التي استخدمها المبتدعة في نفي الصفات الخبرية كصفة الوجه واليد والعين والساق وغيرها، والتي في حق الإنسان قد تسمى أبعاضًا، ولكنها في حق الله تعالى تعدُّ صفات أثبتها الله تعالى لنفسه؛ لهذا الواجب أن نؤمن بها كما جاءت ولا نرد ما وصف الله تعالى به نفسه لتسمية مبتدعة في حقه تعالى، وكل ذلك يكون مع نفي المماثلة في صفاته بينه وبين المخلوقات، ولا نتوقف بتشنيع المبطلين في إثبات هذه الصفات، ومجاراة مع الخصم وبيان مقصده الخبيث، يقال لمن ينفي الأبعاض عن الله تعالى: إن أردت بنفيك هذا أن يكون لله تعالى جسد، وجثة، وأعضاء، ونحو ذلك فكلامك صحيح، ونفيك صحيح، وإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له - سبحانه وتعالى - والتي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، فنفيك لها باطل. [4]
الخلاصة في الرد على هذه الألفاظ الحادثة بشكل عام.
أ أصل استخدام هذه الألفاظ في حق الله تعالى من الفلاسفة والمعتزلة، ثمّ تلقفها عنهم الشيعة، وكان ممن تلقفها عنهم الكليني، ومن المعلوم بأن الفلاسفة والمعتزلة من المبتدعة الذين لا يؤخذ عنهم الدين، وإنما يؤخذ الدين من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، [5] والكتاب والسنة لم
(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الكون والمكان، 1/ 66: رقم الحديث 3] .
(2) الشيرازي، جعفر، شرح أصول الكافي (2/ 407) .
(3) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 121) .
(4) انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (8/ 98) . الحمد، مصطلحات في كتب العقائد (ص: 65) .
(5) انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (6/ 344) . ابن القيم، الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (3/ 953) .