فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 501

وبيّن البخاري رحمه الله تعالى الفرق بين القضاء والقدر، ففسر الكتابة في قوله - جل جلاله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] بالقضاء، [1] وهذا يدل على أن القدر: هو تقدير الله للأمور في الأزل، والقضاء هو ما كتبه في هذا الأزل، وقضى بمشيئته أنه واقع، وهو الذي لا يتغير، وهو الذي في اللوح المحفوظ؛ لأنه قال في قوله تعالى: {إلا ما كتب الله لنا} أي قضى، ونستفيد كذلك بأن القدر عنده أشمل من القضاء وهو الصواب؛ ذلك لأن مراتب القدر أربعة: (العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق) ، وقد بوب البخاري لبيان هذه المراتب، فبوب لمرتبة العلم والكتابة:"باب جف القلم على علم الله تعالى"، [2] فجف القلم يدل على مرتبة الكتابة، ويدل على علم الله تعالى الأزلي، ثم بعد تبويبه عن العلم بوب بما يدل على مرتبة المشيئة والخلق، وأول هذه الأبواب بوب بقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38] ، ذكر ابن كثير في تفسيره على هذه الآية:"وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"، [3] وذكر في هذا الباب الروايات الدالة على مرتبة المشيئة والخلق، والتي منها ما رواه أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه -، أن رجلًا من الأنصار سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا وَنُحِبُّ المَالَ، كَيْفَ تَرَى فِي العَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَوَ إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟! لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ"، [4] وذكر الرواية نفسها بلفظ أخر، يظهر فيها أن مرتبة الكتابة قبل الخلق والشاهد منها ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم:"فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"، [5] وضمن هذه الأبواب أحاديث ترد على القدرية والجبرية، [6] منها: نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ترك العمل، وذكر العلة في ذلك، وهي: أن كل عبد ميسر لما خلق له حسب عمله، فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَلاَ نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لاَ، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأَ قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} [الليل: 5] الآيَةَ"، [7] ومناسبة هذه الرواية في الباب إثبات المشيئة المستقلة لله - سبحانه وتعالى -، وإثبات العمل الحقيقي للعبد، وتيسيره حسب عمله، ومن المعلوم بأن الجبرية ينفون مشيئة العبد، وينفون قدرته على الفعل، والقدرية ينفون مشيئة الله - سبحانه وتعالى - في خلق أفعال العباد، ويثبتون المشيئة المستقلة للعبد في العمل، [8] وبوب البخاري أبوابًا خاصة ترد عليهم في ذلك، أما في الرد على القدرية فقد بوب بابًا سماه: باب لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، وباب: لا مانع لما أعطى الله تعالى، وباب بقوله تعالى: {يَحُولُ [9] بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] ، [10] ففي هذه الأبواب رد على زعمهم بأنه يكون في خلقه ما لا يشاء، وأن العبد له حول وقوة مستقلة عن مشيئة الله تعالى، وهذا طعن في ربوبية الله تعالى، إذ لازم قولهم أن العبد يخلق فعله، وسبب ضلالهم في هذه المسألة، عدم تفريقهم بين فعل الله ومفعوله، وجعلهم الفعل والمفعول واحد ونسبوه للعبد، فجعلوه خالقًا لفعله، [11] وقد قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد:"وأما الفعل من المفعول، فالفعل إنما هو إحداث الشيء، والمفعول هو الحدث لقوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1] فالسموات والأرض مفعوله، وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول، فتخليق السموات فعله؛ لأنه لا يمكن أن تقوم سماء بنفسها من غير فعل الفاعل، وإنما تنسب السماء إليه لحال فعله، ففعله من ربوبيته"، [12] وبوب في كتاب التوحيد بقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}

(1) انظر: البخاري، صحيح البخاري (8/ 126) .

(2) المرجع السابق، ص 122.

(3) ابن كثير، تفسير ابن كثير (6/ 427) .

(4) [البخاري: صحيح البخاري، القدر/ باب قوله - جل جلاله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38] ، 8/ 123: رقم الحديث 6603].

(5) [المرجع السابق، التوحيد/ بابُ قَوْلِ اللَّهِ: {هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ} [الحشر: 24] ، 9/ 121: رقم الحديث 7409].

(6) الجبرية والقدرية مذهبان متقابلان متضادان؛ فالجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى، وهما صنفان. الجبرية الخالصة: وهي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا وهم الجهمية، والجبرية المتوسطة: هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا وهم الأشاعرة. الشهرستاني، الملل والنحل (1/ 85 - 86) بتصرف. وأما القدرية فقد قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: القدري هو من يثبت القدر لنفسه دون ربه - سبحانه وتعالى -، وأنه يقدر أفعاله دون خالقه، وهم المنتسبون للمعتزلة. الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة (ص: 197) . بتصرف

(7) [البخاري: صحيح البخاري، القدر/ باب قوله - جل جلاله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38] ، 8/ 123: رقم الحديث 6605].

(8) انظر: البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 114) .

(9) قال فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى:"معنى يحول أي يلقي في قلب الإنسان ما يحجزه عن مراده ويغير عليه نيته ويصرفه عن قصده لحكمة تقتضي ذلك". المرجع نفسه، نفس الصفحة. وجاء في تفسير البغوي رحمه الله - جل جلاله - أن سعيد بن جبير وعطاء قالا:"يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان. وقال الضحاك: يحول بين الكافر والطاعة، ويحول بين المؤمن والمعصية. وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه". البغوي، تفسير البغوي (2/ 282) .

(10) انظر: البخاري، صحيح البخاري (8/ 125) .

(11) انظر: ابن تيمية، الصفدية (2/ 88) .

(12) البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 113) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت