فهرس الكتاب
[الصافات: 96] ، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] ، [1] قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:"يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية"، [2] وأما رده على الجبرية -إضافة إلى ما سبق- ذكره من إثبات عمل حقيقي للعبد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل مسير لما خلق له) بوب بابًا سماه: من تعوذ بالله من درك الشقاء، وسوء القضاء، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 2] ، [3] والشاهد في قول البخاري: من تعوذ بالله - سبحانه وتعالى -، وفي قول الله تعالى {قل أعوذ برب الفلق} فأثبت للعبد عملًا وهو الاستعاذة، وأثبت في المخلوق شرًا، فلو لم يكن للعبد يد فيه لأصبح يضاف لله - سبحانه وتعالى - والله منزه عن الشر؛ لهذا يستدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على خلق الله تعالى للخير والشر، دون إضافته له، لا وصفًا ولا فعلًا ولا اسمًا، وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم ومنها هذه الآية: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} ، فما هنا موصولة أو مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول، أي من شر الذي خلقه أو من شر مخلوقه، وقد يحذف فاعله كقوله - سبحانه وتعالى - حكاية عن مؤمنين الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] ، وقد يسند إلى محله القائم به كقوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] ، [4] وروى البخاري عَنْ مجاهد قال:"قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَا الْقَدَرُ؟ قَالَ: يَا مُجَاهِدُ أَيْنَ قَوْلُهُ - سبحانه وتعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] "، [5] ومعنى ذلك أن القدر هو أن تثبت لله - سبحانه وتعالى - الخلق والأمر، فالخلق رد على القدرية، كون الخلق واقع كونًا، فما شاء أن يخلقه خلقه وما لم يشأ لا يخلقه؛ فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ومن هذا الباب هو خالق كل شيء بعلم أزلي ومشيئة مستقلة، والأمر رد على الجبرية، كونه واقعٌ كونًا وشرعًا، وهو يأمر بالعدل والإحسان، ولا يظلم أحدًا، فأمره عدل وفضل، عدل في الذين أعرضوا عن ذكر الله - سبحانه وتعالى - وسعوا للمعاصي، ومبارزته بالذنوب، بمجازاتهم بما كانوا يعملون، وفضل بإعانة العبد المؤمن على الطاعة، وإثابته الفضل الكبير، رغم أن عمله قليل بالنسبة للنعم التي أسبغها الله - سبحانه وتعالى - عليه، وهذا شرعًا، وهنا يقع فعل العبد، فقد يعصي الله في أمره الشرعي، وذلك بمشيئة الله - سبحانه وتعالى -؛ كونه لا يقدر على معصيته كونًا، وعليه
(1) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 160) .
(2) ابن كثير، تفسير ابن كثير (7/ 482) .
(3) انظر: البخاري، صحيح البخاري (8/ 126) .
(4) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 270) بتصرف.
(5) البخاري، خلق أفعال العباد (ص: 45) .