فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 501

من خالف الأمر شرعًا خالفه بمشيئته كون المشيئة تقع كونًا فقط، بخلاف الإرادة والمحبة فإنها تقع كونا ًوشرعًا، [1] لهذا الخلق متعلق في الربوبية، والأمر متعلق بالألوهية، ويوضح هذا، كلام ابن القيم:"فما كان من كوني فهو متعلق بربوبيته وخلقه، وما كان من الديني فهو متعلق بإلهيته وشرعه، وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر، فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه قدرًا وشرعًا، ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجار والفساق، والأمران غير متلازمين؛ فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ولا شرعه، وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره، ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عبادة وإيمانهم، وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر، وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور، وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي"، [2] وعلى هذا نثبت المشيئة المطلقة لله - سبحانه وتعالى -، وللعبد المشيئة المقيدة بمشيئة الله تعالى، فما شاءه الله - سبحانه وتعالى - كان، وما لم يشأه لم يكن، والعباد محاسبون على أفعالهم؛ لأنهم فعلوها على الحقيقة، والله خلقهم وخلق أفعالهم، وخلق القوة فيهم ففعلوها بعلم سابق عنده بأنهم سيفعلوها، وخلق لهم فعلهم؛ لحكمة التكليف والحساب والجزاء والابتلاء، ولو شاء ألا يفعلوها لما خلقها لهم من الأصل، ومن هذا ذكر البخاري روايات بين فيها أن ما تعلق بفعل العبد لزم تقييده بمشيئة الله تعالى، وما تعلق بفعل الله تعالى لا يقيد كون مشيئة الله مستقلة ولا مستكره له، ومن هذا بوب بقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 24] ، وذكر مباشرة تحت هذا الباب قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ"، [3] وعليه فالعبد له مشيئة وفعل ولكنها ليست مستقلة، فلا يقال خلق فعله ولا يقال مجبور على فعله، قال ابن تيمية في ذلك:"أهل السنة يقولون إن العبد له مشيئة وقدرة وإرادة وهو فاعل لفعله حقيقة، وينهون عن إطلاق الجبر؛ فإن لفظ الجبر يشعر أن الله أجبر العبد على خلاف مراد العبد كما تجبر المرأة على النكاح، وليس كذلك؛ بل العبد مختار يفعل باختياره ومشيئته ورضاه ومحبته، ليس مجبورًا عديم الإرادة، والله خالق هذا كله؛ فإن هذه الأمور من المحدثات الممكنات، فالدلالة على أن الله خالقها كالدلالة على أنه خالق غيرها من المحدثات". [4]

(1) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 48) .

(2) المرجع السابق، ص 280.

(3) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ بَابُ فِي المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ: وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] ... ، 9/ 137: رقم الحديث 7464].

(4) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (12/ 331 - 332) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت