فهرس الكتاب
وذكر الإمام البخاري مسألة الاحتجاج بالقدر، وأورد فيه حديث احتجاج سيدنا آدم - عليه السلام - بالقدر، [1] والخلاصة أن سيدنا آدم حآجَّ سيدنا موسى عليهما السلام؛ وذلك لاعتبار أنها مصيبة أصابته وأصابت ذريته، وهي مكتوبة بقدر الله تعالى قبل خلقه، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب. [2]
وضمنه كذلك الحديث عن مراتب الهداية فذكر تفسير قوله تعالى: {قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 3] عن مجاهد رحمه الله تعالى أنه قال:"قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا"، [3] وهذه الهداية العامة وبوب بابًا ذكر فيه قوله - جل جلاله:" {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] "، [4] وهذه تتضمن الهدايتين هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق، فهداية الدلالة لكل المكلفين، وهي بإرسال الرسل، فمن استجاب تتحقق له هداية التوفيق من الله تعالى، فتكون خاصة بالمؤمنين، ومن لم يستجب، فقد حقت عليه كلمة العذاب - والعياذ بالله تعالى-.
خ عقيدته في القرآن:
عقيدة البخاري رحمه الله تعالى في القرآن هي عقيدة السلف نفسها، لا تختلف عنها البتة، ومعتقدهم في ذلك أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو محفوظ من التحريف، [5] وقد أفرد البخاري رحمه الله تعالى مصنفًا في خلق أفعال العباد يرد فيه على الجهمية والمعطلة، وعلى الذين قالوا بأن القرآن مخلوق، وأورد فيه أقوال الأئمة على ذلك، والتي منها ما رواه عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال:"والقرآن كلام الله غير مخلوق"، [6] وأورد عن سفيان الثوري أنه قال:"إن كل شيء مخلوق، والقرآن ليس بمخلوق، وكلامه أعظم من خلقه؛ لأنه يقول للشيء: كن، فيكون، فلا يكون شيء أعظم مما يكون به الخلق، والقرآن كلام الله". [7]
وأما مسألة اللفظ، فقد منع السلف الكلام في مثل هذه العبارات من الأصل؛ لما فيها من الإجمال واحتمال أكثر من معنى، واستخدامها فتح للأبواب أمام المبتدعة في رمي شبههم بين الناس، والتلبيس عليهم، خاصةً أن مسمى القرآن يحتمل اللفظ والمعنى، [8] والبخاري رحمه الله
(1) انظر: [البخاري: صحيح البخاري، القدر/ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ،8/ 1126: رقم الحديث 6614] .
(2) انظر: ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 18) .
(3) البخاري، صحيح البخاري (8/ 126) .
(4) المرجع السابق، ص 127.
(5) انظر: اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/ 259) .
(6) البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 45) .
(7) المرجع السابق، ص 34.
(8) انظر: ابن القيم، نونية ابن القيم (ص: 38) .