فهرس الكتاب
تعالى على نفس النهج، ولكنه تكلم في مسألة الصوت والمكتوب والمقروء والمحفوظ في الصدور، على أنها من أفعال العباد، ومن ذلك بوب بابًا في صحيحه فقال: ذكر قراءة الفاجر والمنافق وأن أصواتهم لا تجاوز حناجرهم، [1] ذكر في الترجمة القراءة والأصوات، ولم يذكر اللفظ، وذلك يدل على فقهه، فالصوت ينسب للعبد لا غير، واللفظ قد يقصد به فعل العبد، وقد يقصد به القرآن نفسه؛ لأن مسمى القرآن يدخل فيه اللفظ والمعنى كما أسلفنا، [2] وقد قرر في كتاب خلق أفعال العباد أن الصوت غير القرآن، واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"بَيْنَا أَنَا فِي الْجَنَّةِ سَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ بِالْقُرْآنِ"، [3] وقد قرر كذلك أن القرآن المكتوب في المصاحف، والمحفوظ في الصدور، والمقروء على اللسان ليس بمخلوق بل هو كلام الله تعالى، والقراءة والحفظ والكتابة التي هي فعل العبد مخلوقة، وقال للمخالفين له في ذلك: ويقال له: أترى القرآن في المصاحف؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن من صفات الله ما يرى في الدنيا، وهذا رد لقول الله - عز وجل: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] في الدنيا {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] ، وإن قال يرى كتابة القرآن فقد رجع إلى الخلق، [4] واستدل كذلك بنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قراءة القرآن في الركوع، [5] والشاهد في ذلك عند البخاري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن القراءة غير المقروء، [6] وكل ما قرره البخاري رحمه الله تعالى هو الحق، وقد أيده ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في ذلك، بل قرر ابن القيم أن البخاري أعلم بهذه المسألة من كل من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أحمد ابن حنبل، [7] وقد نسب للبخاري أنه قال لفظي بالقرآن مخلوق، مما تسبب له بالمحنة في زمانه،
(1) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 162) .
(2) انظر: ابن الموصلي، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 512) .
(3) انظر: البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 109) . والرواية حكم بصحتها الأرنؤوط، وهي رؤيا منام، انظر: [ابن حنبل: مسند الإمام أحمد، مسند النساء/ مسند الصديقة عائشة رضي الله عنها، 42/ 100: ح 25182] .
(4) البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 115) بتصرف.
(5) انظر: [مسلم: صحيح مسلم، كتاب الصلاة /باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، 1/ 348: رقم الحديث 479] .
(6) انظر: البخاري، خلق أفعال العباد (ص 119) .
(7) انظر: ابن الموصلي، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 512) . ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (12/ 74) . قلت: بل مذهب البخاري هو نفسه مذهب الإمام أحمد، ولكن البخاري أوضحه وبينه وفصله، وهذا ما يقصده ابن القيم رحمه الله تعالى، ودليل ذلك نقله بعد ذلك تقرير البخاري لمذهب الإمام أحمد، ويستحسن مراجعته في نفس الصفحات فإن في تحرير ابن القيم لهذه المسألة الشفاء بإذن الله تعالى.