فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 501

وهجر بعض أصحابه، ونفيه، وهو من الافتراء عليه، كما سيتبين في النقطة الآتية في الحديث عن محنته رحمه الله تعالى.

محنة البخاري في آخر عمره:

تعرض البخاري لمحنة في أخر حياته؛ وكان سبب هذه المحنة ما نسب له من الكذب والزور، أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، والحق أن البخاري رحمه الله تعالى لم يقل هذا، بل غاية ما قال: أن القرآن ليس مخلوقًا وأفعال العباد مخلوقة، والذي يؤكد ذلك ما جاء عن محمد بن نصر [1] أنه قال: سمعت البخاري يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله، فقلت: يا أبا عبد الله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه، فقال: ليس إلا ما أقول لك وأحكي لك عنه، وقال: لم أقل إلا أن أفعال العباد مخلوقة، وقال أبو عمر الخفاف [2] للبخاري: يا أبا عبد الله ههنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة؟! فقال: يا أبا عمر، احفظ ما أقول لك، من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقل هذه المقالة، وقد قال كذلك للإمام أحمد: القرآن من أوله إلى آخره كلام الله، ليس شيء منه مخلوقًا، ومن قال: إنه مخلوق، أو شيئًا منه مخلوق، فهو كافر، ومن زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي، كافر، قال الإمام أحمد: نعم. [3]

وسبب هذه المحنة كما ذكر المؤرخون، أن السلطان خالد بن أحمد الذهلي [4] نائب الظاهرية ببخارى سأل البخاريَّ أن يحضر منزله؛ ليقرأ الجامع والتاريخ عليه، فامتنع البخاري عن ذلك، فراسله أن يعقد مجلسًا لأولاده، لا يحضره غيرهم، فامتنع عن ذلك أيضًا، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم، وأنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن

(1) هو محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِيُّ شيخ الإسلام، يقال له: أبو عبد الله الحافظ. (202 - ... ه) إمام في الفقه والحديث، كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم في الأحكام مولده: ببغداد، ومنشؤه بنيسابور، ومسكنه سمرقند وتوفي بها. له كتب كثيرة، منها (القسامة) في الفقه، قال أبو بكر الصيرفي: لو لم يكن له غيره لكان من أفقه الناس. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (14/ 33) . الزركلي، الأعلام للزركلي (7/ 125)

(2) هو محمد بن أحمد بن شاذان الخليل أبو عمر الخفاف الزاهد القهندزي. ( ... - 376 ه) سمع أبا العباس محمد بن إسحاق الثقفي وزنجويه بن محمد وأقرانهما. انظر: ابن شجاع، التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد (ص: 52) .

(3) ابن أبي يعلى، طبقات الحنابلة (1/ 277 - 279) . البغدادي، تاريخ بغداد (2/ 354) . بتصرف يسير.

(4) هو: الأمير خالد بن أحمد أبو الهيثم الذُّهْلِيُّ نائب الظاهرية ببخارى، والى يعقوب الصفار، وخرج على ابن طاهر، ثم حج سنة تسع وستين، فأخذ وسجن ببغداد حتى مات، وذلك سنة سبعين ومائتين. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (13/ 137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت