فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 501

كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس، ليكون لي عذر عند الله تعالى يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم. فاستعان خالد بن أحمد بحريث بن أبي الورقاء [1] وغيرهم من أهل العلم ببخارى عليه، حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد، فدعا عليهم البخاري رحمه الله تعالى، ومن دعائه عليهم: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم. فأما خالد فلم يأت عليه إلا أقل من شهر، حتى صار عاقبة أمره السجن، وأما حريث فإنه ابتلى بأهله، ومنهم من ابتلي بأولاده، وأراه الله - سبحانه وتعالى - فيهم البلايا. [2]

وزادت المحنة على البخاري رحمه الله تعالى عند نزوله نيسابور- من بلاد خراسان-؛ إذ كان فيها عالمٌ ثقة يقصده طلبة العلم، وهو من أقران البخاري رحمهما الله تعالى، يقال له محمد بن يحيى الذهلي، قد لُبِّس عليه الأمر، فحذر من السماع من البخاري، حتى قال:"ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه؛ فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه"، [3] فكانت المحنة علي أشدها عليه في ذاك الوقت، بيد أن بعض أقرانه هجروه وجفوه، إلا القريب منه، أو من على علم بمذهبه، أو من ثبت له خلاف ما يقال عنه بعد التحقيق، وعبر عن هذا ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال:"وأعظم ما وقعت فتنة اللفظ بخراسان، وتُعصب فيها على البخاري مع جلالته وإمامته، وإن كان الذين قاموا عليه أيضًا أئمةً أجلاء، فالبخاري - رضي الله عنه - من أجل الناس، وإذا حسن قصدهم واجتهد هو وهم أثابه الله - سبحانه وتعالى - وإياهم على حسن القصد والاجتهاد، وإن كان قد وقع منه أو منهم بعض الغلط والخطأ، فالله يغفر لهم كلهم"، [4] فعاد البخاري رحمه الله تعالى بعد ذلك إلى أهله ببخارى، فنفاه خالد الذهلي فنزح من بلده إلى بلدة يقال لها خرتنك- من قرى سمرقند-، فنزل عند أقارب له بها. [5]

وفاته رحمه الله تعالى:

بعد أن نزل البخاري بخرتنك، وكان قد ضاقت عليه الدنيا، لما رأى الفتن في الدين، وخشي على نفسه منها، جعل يدعو الله تعالى أن يقبضه إليه، وكان دعاؤه في قيام الليل: اللهم

(1) كل ما عثرت عليه في ترجمته أنه: من كبار فُقَهَاء الرأي ببخارى. انظر: السبكي، طبقات الشافعية الكبرى (2/ 233) .

(2) انظر: البغدادي، تاريخ بغداد (2/ 355 - 356) . الذهبي، سير أعلام النبلاء (12/ 464) .

(3) البغدادي، تاريخ بغداد (2/ 354) .

(4) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (12/ 208) .

(5) انظر: ابن كثير، البداية والنهاية (11/ 33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت