وهذا ما دل عليه ما جاء في صحيح مسلم:"وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ"، [1] علق ابن تيمية على هذا الحديث فقال:"لفظ الصورة في هذا الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يُسمَّى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله تعالى مختصة به، مثل: العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل: خلقه بيديه واستوائه على العرش، ونحو ذلك". [2]
سابعًا: صفتي الإرادة والمشيئة.
ذكر البخاري هاتين الصفتين في كتاب التوحيد في صحيحه ضمن إثباته الصفات الذاتية، فأفرد لهما بابًا، ودلّل علي إثباتهما بالآيات والأحاديث التي تبين الفرق بينهما، فقال:"بَابُ فِي المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ: قال الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [التكوير: 29] ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] ، {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 24] ، {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] ... ، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة: 185] ". [3] والشاهد قوله: باب في المشيئة والإرادة، فكأنه يقول باب في إثبات صفتي المشيئة والإرادة، [4] ثم ذكر الأدلة من كتاب الله تعالى كدليل على إثباتهما، فأكثر من الأدلة على إثبات المشيئة، وذكر آية واحدة على صفة الإرادة، وهي تدل على الإرادة الدينية لا الكونية، وفعله هذا ليدلل على أن لفظ المشيئة كوني قدري لا ينقسم، بخلاف لفظ الإرادة فإنه ينقسم إلى إرادة كونية قدرية فتكون بمعنى المشيئة، وإرادة دينية فتكون بمعنى المحبة. [5]
ثم ذكر سبع عشرة رواية كلها تثبت مشيئة الرب، وتدل على أنها الموجبة لكل موجود كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشيء، فما شاءه الله تعالى وجب وجوده، وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه، [6] فروى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه:"أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ - عليه السلام - كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً، فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ، وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلاَمٍ، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ"
(1) [البخاري: صحيح البخاري، الإيمان/ معرفة طريق الرؤية، 1/ 167: رقم الحديث 183] .
(2) ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 131) .
(3) البخاري، صحيح البخاري (9/ 137) .
(4) انظر: ابن حجر، فتح الباري لابن حجر (13/ 449) ابن الملقن، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (33/ 392) .
(5) انظر: ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 48) .
(6) المرجع السابق، ص 49. بتصرف يسير.