فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 501

لاَ تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ"، [1] وهذه الروايات كسابقها تثبت صفة الكلام لله تعالى، وأنه يتكلم على الحقيقة."

ثانيًا: صفة الاستواء.

بوب البخاري رحمه الله تعالى في إثبات هذه الصفة بابًا خاصًا، فاستدل أولًا بالآيات القرآنية ومن خلالها بيّن معنى الاستواء كما جاء عن بعض السلف، فذكر قول الله تعالى: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] : ونقل معناه عن أبي العالية: بالارتفاع، وذكر قول الله تعالى: {استوى عَلَى العَرْشِ} [الأعراف: 54] ومعناه علا كما نقله عن مجاهد رحمه الله تعالى. [2] ثم أورد تحت هذا الباب أحاديث مجموعها يدل على أن العرش فوق الخلائق كلها، وأن الله تعالى مستوٍ على عرشه، فروى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ:"إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ» ، قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ» ، قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ، قَالَ - صلى الله عليه وسلم: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ» ...". [3] أراد البخاري رحمه الله تعالى بهذا بيان أن صفة الاستواء صفة فعلية؛ والمراد أن الله تعالى بعد خلقه السموات والأرض استوى على العرش، فالاستواء حصل بعد الخلق لا قبله؛ ولأن هذا الاستواء الذي بمعنى العلو، علو خاص حدث بعد أن لم يكن، وهذا يدل على أنه متعلق بالمشيئة، بخلاف العلو العام الذي يدل على أن الله تعالى لم يزل ولا يزال عاليًا فوق كل المخلوقات وبما فيها العرش. [4] [5]

(1) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ كلام الرب مع أهل الجنة، 9/ 151: رقم الحديث 7519] .

(2) المرجع السابق، ص 124.

(3) [المرجع نفسه، التوحيد/ قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ} [هود: 7] ، {وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [التوبة: 129] ... ، 9/ 124: رقم الحديث 7418].

(4) انظر: ابن عثيمين، شرح أصول البخاري (10/ 377 - 378) .

(5) الفرق بين العلو العام والعلو الخاص، أنه لا يلزم من العلو الاستواء، ولكن يلزم من الاستواء العلو، فيكون هنا العلو خاصًا بما استوى عليه، مع ثبوت العلو عليه وإن لم يستوِ عليه، وهذا وضحه ابن تيمية فقال:"فإن قيل: فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام، فقبل ذلك لم يكن على العرش؟ قيل: الاستواء علو خاص، فكل مستو على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستو عليه؛ ولهذا لا يقال لكل ما كان عاليًا على غيره: إنه مستو عليه، واستوى عليه، ولكن كل ما قيل فيه: إنه استوى على غيره؛ فإنه عال عليه. والذي أخبر الله أنه كان بعد خلق السموات والأرض [الاستواء] لا مطلق العلو، مع أنه يجوز أنه كان مستويًا عليه قبل خلق السموات والأرض لما كان عرشه على الماء، مثلما خلق هذا العالم كان عاليًا عليه ولم يكن مستويًا عليه، فلما خلق هذا العالم استوى عليه، فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله - سبحانه وتعالى - بمشيئته وقدرته؛ ولهذا قال فيه: {ثُمَّ اسْتَوَى} [فصلت: 11] ؛ ولهذا كان الاستواء من الصفات السمعية المعلومة بالخبر". ابن تيمية، شرح حديث النزول (ص: 148) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت