فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 501

الروايتين أن الإرادة من صفات الفعل الّتي يصحُّ سلبها عنه في الأزل، لا من صفات الذَّات المعتبرة له في الأزل مثل العلم والقدرة، [1] وقال المجلسي:"الإرادة المقارنة للفعل ليس فيه تعالى إلا نفس الايجاد فهي حادثة". [2]

المناقشة:

قد علمنا في مفهوم الصفات الفعلية عند الكليني أن أصل خلقها يعود لخلق المشيئة، وهذا واضح في قولهم: (خلق المشيئة بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشيئة) ؛ ولهذا يعدّ إبطال القول بأن الصفات الفعلية لله تعالى مخلوقة، إبطالا لنفيه صفة المشيئة والقول بأنها مخلوقة، وقد تم الرد على القول بأن صفات الله تعالى مخلوقة وباستفاضة. [3]

ثالثًا: صفة الغضب والرضى.

أوَّل الكليني صفة الغضب بالعقاب، وصفة الرضا بالثواب، وبرَّر هذا التأويل بأن إثباتهما كصفة حقيقية لله تعالى يقتضي تغيره وزواله من شيء إلى شيء، وانتقاله من حال إلى حال، وهذه من صفات المخلوقين، وهذا المعتقد جاء عنده في روايات عدة، منها:

1 -الرواية الأولى رواها عن حَمْزَةَ بْنِ الْمُرْتَفِعِ قال عَنْ بَعْضِ أَصْحَابه أنه قَالَ:"كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَبِي جَعْفَرٍ - عليه السلام - إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 81] مَا ذَلِكَ الْغَضَبُ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - عليه السلام - هُوَ الْعِقَابُ يَا عَمْرُو؛ إِنَّهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَالَ مِنْ شيء إِلَى شيء، فَقَدْ وَصَفَهُ صِفَةَ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَسْتَفِزُّهُ شيء فَيُغَيِّرَهُ". [4]

2 -روى عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ:"فَكَانَ مِنْ سُؤَالِهِ أَنْ قَالَ لَهُ: فَلَهُ رِضًا وَسَخَطٌ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا حَالٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فَتَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ أَجْوَفُ مُعْتَمِلٌ مُرَكَّبٌ، لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَخَالِقُنَا لَا مَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ وَاحِدِيُّ الْمَعْنَى، فَرِضَاهُ ثَوَابُهُ وَسَخَطُهُ عِقَابُهُ، مِنْ غَيْرِ شيء يَتَدَاخَلُهُ فَيُهَيِّجُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْعَاجِزِينَ الْمُحْتَاجِينَ". [5]

(1) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 264) . الجزائري، نور البراهين (1/ 369) .

(2) المجلسي، بحار الأنوار (4/ 144) .

(3) انظر في هذا البحث: ص 306.

(4) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، 1/ 80: رقم الحديث 5] .

(5) [المرجع السابق، التوحيد/ الإرادة أنها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، 1/ 80: رقم الحديث 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت