سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره، فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي، هي بمشيئتك أيضا، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك، وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك"، [1] وروى مسلم رحمه الله تعالى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا"، [2] وروي كذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ"، [3] هذه الرواية فيها الدلالة الواضحة على إثبات صفة الرضا لله تعالى؛ لأن النص لا يحتمل التأويل بأي وجه من الوجوه. [4] "
ثانيًا: اتفق السلف كافة على إثبات هاتين الصفتين، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. [5]
ثالثًا: جاءت روايات عدة في الكافي تثبت صفة الرضا والغضب، وألفاظها لا تحتمل التأويل، وهي حجة عليهم فيما نفوه، ومنها:
1 -روى عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ:"ضَمَّنِي وَأَبَا الْحَسَنِ - عليه السلام - الطَّرِيقُ فِي مُنْصَرَفِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنِ اتَّقَى اللَّهَ يُتَّقَى، وَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ تعالى، يُطَاعُ، فَتَلَطَّفْتُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ فَوَصَلْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: يَا فَتْحُ مَنْ أَرْضَى الْخَالِقَ لَمْ يُبَالِ بِسَخَطِ الْمَخْلُوقِ، وَمَنْ أَسْخَطَ الْخَالِقَ فَقَمَنٌ [6] أَنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَخَطَ"
(1) ابن أبي العز، شرح الطحاوية (1/ 327) .
(2) [مسلم: صحيح مسلم، الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار/ استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، 4/ 2095: رقم الحديث 2734] .
(3) [المرجع السابق، النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة ... / الأقضية، 3/ 1340: رقم الحديث 1715] .
(4) بالنسبة لأدلة صفة الغضب من السنة، يمكن مراجعتها في نماذج على الصفات عند البخاري ص:
(5) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (5/ 26) . ابن أبي العز، شرح الطحاوية (2/ 685) .
(6) معناه حقيق وجدير. انظر: ابن بطال، النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب (1/ 83) . المازندراني، شرح أصول الكافي (4/ 164) 0