فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 501

ومن زعم أنه على شيء فقد جعله محمولًا)، فالاستواء على العرش -عند الكليني- يقتضي ويستلزم أن يكون الله تعالى محمولًا عليه، وهذا ممتنع على الله تعالى؛ لأن ذلك يعني وصف الله تعالى بصفة المخلوق، [1] ودليل ذلك أنه روى في باب أخر عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ، قَالَ:"سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] ، فَقَالَ: مَا يَقُولُونَ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ إِنَّ الْعَرْشَ كَانَ عَلَى الْمَاءِ، وَالرَّبُّ فَوْقَهُ. فَقَالَ: كَذَبُوا؛ مَنْ زَعَمَ هَذَا، فَقَدْ صَيَّرَ اللَّهَ مَحْمُولًا، وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ، وَلَزِمَهُ أَنَّ الشيء الَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوَى مِنْهُ". [2] هذه الرواية تشترك في نفي صفة الاستواء والعلو لله تعالى، لأن معنى العلو الذاتي لله تعالى هو أنه فوق المخلوقات جميعًا، ولما كان أعلى المخلوقات هو العرش والله تعالى فوقه مستوٍ عليه، كان نفيهم للاستواء نفيًا للعلو؛ لهذا من نفى أنه فوق العرش نفى صفة الاستواء ومن نفى صفة الاستواء نفى صفة العلو.

المناقشة:

نفي صفة الاستواء على العرش مبنية على أن إثبات هذه الصفة يستلزم أن الله تعالى محمول، وهذا تشببيه بالمخلوق، وهذا التصور باطل من عدة وجوه:

الوجه الأول: ما تم ذكره في الرد على نفي صفة النزول، بأن اتصاف الله تعالى بأي صفة يتصف بها المخلوق، لا يلزم الله تعالى لوازم تلك الصفة التي اتصف بها المخلوق،"فاستواء الله تعالى يليق بجلاله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام، فكما أنه موصوف بالسمع والبصر والكلام ولا يلزمه خصائص المخلوقين، كذلك يوصف بالاستواء ولا يلزمه خصائص المخلوقين، وهذا معنى القول في بعض الصفات كالقول في بقية الصفات. [3] "

الوجه الثاني: أجاب ابن أبي العز الحنفي على هذه الشبهة فقال:"كون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويًا للعالي، محيطًا به، حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرا إليه، فانظر إلى السماء، كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنًا وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته - عز وجل - به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته،"

(1) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (4/ 90) .

(2) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ العرش والكرسي، 1/ 95: رقم الحديث 7] .

(3) الكرمي، أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات (ص: 131) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت