فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 501

سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ [1] عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ «رَأَى جِبْرِيلَ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» ". [2] "

هذه الروايات تدل على نفي رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه في معجزة الإسراء والمعراج، وهذا هو الراجح؛ لعدم ثبوت الأدلة على ذلك، سواء أدلة من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة، [3] والكتاب والسنة على نفي رؤية الله تعالى في الدنيا أدل وآكد، والتي منها قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ، والشاهد أن موسى - عليه السلام - طلب رؤية الله تعالى في مقامه الذي تكلم فيه مع الله تعالى، ظنًا منه جوازها في الدنيا، فبيّن له الله تعالى عدم جوازها في الدنيا، فضرب له مثالًا على ما هو أقوى من بنيته وأثبت وهو الجبل، وكأنه يقول له: إن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي، فلما ظهر الله تعالى للجبل صار رملًا وسوي بالأرض من عظمة ما رأى، فوقع موسى - عليه السلام - مغشيًا عليه، فعلم أن خصائصه الجسمانية لا تقوى على رؤية الله تعالى في الدنيا، وأما يوم القيامة فيخلق الله تعالى في أجساد المؤمنين القدرة على رؤيته فيرونه، [4] وقد ذكر البخاري هذه الآية في ضمن كتاب التفسير، [5] وأما من السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في سياق حديثه عن الدجال:"لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ - عز وجل - حَتَّى يَمُوتَ". [6]

وأما استدلال عائشة رضي الله عنها في نفي الرؤية بقوله تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الأنعام: 103] ، وقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ

(1) هو زر بن حبيش بن حباشة بن أوس الأسدي: (ت 83 هـ) ، تابعي، من جلتهم. أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان عالما بالقرآن، فاضلا. قرأ على: ابن مسعود، وعلي، وحدث عن: عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، عاش مئة وعشرين سنة، ومات بوقعة بدير الجماجم. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (4/ 167) . الزركلي، الأعلام للزركلي (3/ 43) .

(2) [البخاري: صحيح البخاري، بدء الخلق/ إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، آمين [ص:114] فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، 4/ 115: رقم الحديث 3232].

(3) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 509) . ابن كثير، تفسير ابن كثير (7/ 416) .

(4) انظر: البغوي، تفسير البغوي (2/ 228) . القرطبي، تفسير القرطبي (7/ 278) . ابن كثير، تفسير ابن كثير (3/ 423) .

(5) انظر: البخاري، صحيح البخاري (6/ 59) .

(6) [مسلم: صحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة/ ذكر ابن صياد، 4/ 115: رقم الحديث 2245] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت