فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 501

يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى: 51] . فهو على الاستئناس لتأكيد نفي الرؤية، ذلك أن ظاهر الآية نفي الرؤية، [1] واستشهادها بالآية الثانية فيها إشارة إلى أن نفي الرؤية محمول على الدنيا فقط، دل عليه كلام الله تعالى مع عباده يوم القيامة، من غير حجاب، وهذا ما سيظهر بعد قليل من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ثانيًا: رؤية الله تعالى في الآخرة.

أجمع السلف على تحقّق رؤية الله تعالى في الآخرة، [2] وهذا الإجماع مبني على الأدلة النقلية سواء من الكتاب أو السنة، وقد ذكر البخاري أكثر هذه الأدلة في صحيحه، فبوب لإثبات رؤية الله تعالى بابًا خاصًا، فترجم فيه بقول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] ، [3] والشاهد من هذه الآية أن النظر هنا عدي بإلى، وهذا يقتضي الرؤية البصرية لا معنى أخر كالانتظار؛ فالقول فلان نظر إلى فلان: أي عاينه وشاهده، لا أنه انتظر منه العطف أو الرحمة، كما يقول بعض المبتدعة، [4] نقل الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية عن البخاري رحمه الله تعالى أنه نقل عن الحسن رحمه الله تعالى بسنده أنه قال:"تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضر، وهي تنظر إلى الخالق". [5] وعقب ابن بطال على هذه الآية فقال:"استدل البخاري بقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ، وبأحاديث هذا الباب على أن المؤمنين يرون ربهم في جنات النعيم". [6] وقال الآجري:"فسر لنا الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن بعدهم من التابعين: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] فسروه على النظر إلى وجه الله - عز وجل -"، [7] وذكر البخاري تحت هذه الترجمة أربعة عشر حديثًا، كلها مؤكدة لرؤية الله تعالى يوم القيامة، ومن أوضحها دلالة ما يلي:

(1) قال ابن حجر رحمه الله تعالى:"وهو استدلال عجيب؛ لأن متعلق الإدراك في آية الأنعام {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] البصر فلما نفي كان ظاهره نفي الرؤية بخلاف الإدراك الذي في قصة موسى، ولولا وجود الأخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن الظاهر". ابن حجر، فتح الباري (8/ 607) .

(2) انظر: ابن حنبل، الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 132) . ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 512) . ابن رجب، تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 517) . الكرماني، إجماع السلف في الاعتقاد (ص: 63) .

(3) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 127) .

(4) انظر: ابن بطال، شرح صحيح البخاري (10/ 460) .

(5) الطبري، تفسير الطبري (24/ 72) .

(6) ابن بطال، شرح صحيح البخاري (10/ 460) .

(7) الآجري، الشريعة (2/ 1047) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت