الوجه الثاني: إن أجساد المؤمنين في الآخرة مختلفة عن أجسادهم في الدنيا، فالذي سلبها القوة في الدنيا من عدم القدرة على تحمل رؤيته يعطيها القوة لرؤيته في الآخرة.
6 -جاءت أربع روايات متقاربة المعاني، ونتيجتها وحاصلها واحد، [1] ومن الشراح من جمع في شرحه بين هذه الروايات لهذا التقارب، [2] والحاصل منها أن القلب له أوهام فإن كانت هذه الأوهام التي هي أكبر من بصائر العيون لا ترى فيها الله تعالى فكيف بالبصر؟ وبمعنى أخر إذا كان العقل منفيًا عنه إدراك الله تعالى، فمن باب أولى ألا تدركه العيون، والرواية الثالثة من بينهنّ من أوضح الروايات على بيان المراد؛ لهذا نكتفي بذكرها، والرواية رواها الكليني عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ:"قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَر: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ} فَقَالَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ، أَوْهَامُ الْقُلُوبِ أَدَقُّ مِنْ أَبْصَارِ الْعُيُونِ، أَنْتَ قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السِّنْدَ وَالْهِنْدَ والْبُلْدَانَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْهَا، وَلَا تُدْرِكُهَا بِبَصَرِكَ، وَأَوْهَامُ الْقُلُوبِ لَا تُدْرِكُهُ، فَكَيْفَ أَبْصَارُ الْعُيُونِ؟". [3] قال المازندراني:"المراد بالوهم الإدراك المتعلّق بالقوَّة العقليّة المتعلّقة بالمعقولات، والقوَّة الوهميّة المتعلّقة بالمحسوسات جميعًا"، [4] وقال كذلك:"والمنفي في الآية: هو إدراكات النفوس على جميع أنحائها، ويندرج فيه إدراكات العيون أيضًا؛ لأنَّ نفي العام مستلزم لنفي الخاصّ"، [5] وقال النائني تعليقًا على قوله: (وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون) :"أي يلزم من نفي أوهام القلوب نفي أبصار العيون؛ فنفيها نفيٌ لهما"، [6] وقال المازندراني بعد شرح طويل على الرواية الأخيرة:"فقد ظهر أنّه تعالى لا يمكن إدراكه بالقلب كما لا يمكن إدراكه بالحواسّ". [7]
الرد:
نقول وبالله التوفيق: هنا خلْطٌّ واضح بين نفي الإدراك ونفي الرؤية؛ لهذا يقال: إن قصدتم بهذا القياس نفي الإدراك، وهو معرفة حقيقة الشيء من كل جوانبه، فنفيكم صحيح، وإن قصدتم به نفي الرؤية وهذا هو ظاهر الرواية فنفيكم باطل من عدة وجوه:
الوجه الأول: قياس ما لا يدرك بالوهم على نفي رؤية العين قياس فاسد؛ لأن إدراك العقل والوهم مختلف عن إدراك العين، فإدراك العين مبني على وجود الشيء حقيقة، وأما إدراك الوهم والعقل
(1) انظر: [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 72: رقم الحديث 9 - 10 - 12] .
(2) انظر: الكاشاني، الوافي (1/ 386) .
(3) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 72 - 73: رقم الحديث 11] .
(4) المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 188) .
(5) المرجع السابق، ص 191.
(6) النائيني، الحاشية على أصول الكافي (ص: 335) .
(7) المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 196) .