فهرس الكتاب
عجبًا من هذا المنهج السقيم!؛ فهل هناك إقرار بلا معرفة؟! وهل الإقرار يسبق المعرفة، أم المعرفة تسبق الإقرار؟! فالحق: أن الإقرار أعم من المعرفة، فالمرء بمجرد المعرفة دون إقرار يعدّ جاحدًا، ومن جحد شيئًا من دين الله ثبت بالنص المحكم الصحيح كفره بإجماع، فإبليس يعرف الله تعالى ولكنه لم يقر بحكم الله تعالى، ولم يمتثله استكبارًا وإباءً، فكفر بذلك، وكذا مشركو قريش يعرفون الله - سبحانه وتعالى -، ولا يقرون له بالوحدانية في العبادة، فلم يثبت لهم الإسلام، وقد قال الله تعالى عن أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] فهل الذي عرف وكتم ولم يقر يكون مؤمنًا بهذه المعرفة؟!! فكيف تكون المعرفة بعد ذلك هي الإيمان، والإقرار هو الإسلام؟
3 -عقيدة الكليني في التوحيد:
مفهوم التوحيد [1] عند الكليني: هو معرفة الله تعالى، [2] وذلك بعد الإقرار بوجوده، وأنه الخالق، وأنه واحد في ذاته وصفاته، [3] مع الإقرار بنبوة أنبيائه، وبوصاية أوصيائه.
والمعرفة هي أول واجب على المكلفين عنده، فمن حققه حقق هذا الواجب- أي التوحيد-، واستحق اسم الإسلام والإيمان، وعُصم دمُه، واستحق دخول الجنة، ومن لم يحققْه لم يدخل في الإسلام، ودمه وماله وعرضه بواح، [4] وهي الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، ولها مراتب وأصول لا بد أن تتحقق حتى تتحقق معرفته - أي توحيده-، وتفصيل ذلك كالتالي:
1 -دليل القول بأن التوحيد عند الكليني هو معرفة الله تعالى، وأنها أول واجب على المكلفين.
(1) مفهوم التوحيد عند الشيعة، هو نفس مفهومه عند الكليني، ولكنهم يتوسعون به من خلال ذكر مراتبه ضمنًا في التعريف، وهي إثبات وجود الله تعالى، وإثبات وحدته، ونفي الصفات عنه، ومن هذا تعريف محمد آل عبد الجبار التوحيد بأنه:"إثبات واجب أحدي لا شريك له". آل عبد الجبار، هدي العقول إلى أحاديث الأصول (3/ 11) . وانظر: الخرازي، بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية (1/ 63) . وقال الشيعي المعاصر محمد شمس الدين:"وتوحيد الله على ثلاثة أنحاء: توحيده في الوجود بمعنى نفي الشريك له، وتوحيده في الذات بمعنى نفي التركيب عنه، وتوحيده في الصفات، بمعنى نفي الشبيه له. شمس الدين، دراسات في العقيدة الإسلامية (ص 135) . وهذه المراتب الثلاثة سيأتي تفصيلها عن الكليني بعد فقرات."
(2) المعرفة أعم عند الكليني من الإقرار؛ لأن كل من عرف أقر وليس كل من أقر عرف عنده، والإقرار إثبات وجود ذات الله المقدسة بخلاف المعرفة فهي تشمل الحديث عن ذات الله وصفاته والإيمان برسله وأوليائه. انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 90) .
(3) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ باب الارادة أنها من صفات الفعل، 1/ 80: رقم الحديث 6] .
(4) انظر: [المرجع السابق، التوحيد/ بَابُ جَوَامِعِ التَّوْحِيدِ، 1/ 101: رقم الحديث 6] .