فهرس الكتاب
هذا المفهوم عنده استنبط من عدة روايات وأوضح الروايات في ذلك ما رواه عن أبي إبراهيم [1] أنه قال:"أَوَّلُ الدِّيَانَةِ بِهِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ، وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْه"، [2] والشاهد قوله: (كمال معرفته توحيده) أي أن التوحيد هو كمال معرفته، وقد أورد روايات أخرى في أن معرفة الله تعالى هي التوحيد وأنه هو الذي فُطر الناس عليه، ومنها ما رواه عنْ زُرَارَةَ أنه قَالَ:"سَأَلْتُهُ - أبا جعفر- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - سبحانه وتعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 31] . قَالَ: الْحَنِيفِيَّةُ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، قَالَ: فَطَرَهُمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِهِ، قَالَ زُرَارَةُ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - سبحانه وتعالى - {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] قَالَ: أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَعَرَّفَهُمْ وَأَرَاهُمْ نَفْسَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، يَعْنِي الْمَعْرِفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ - سبحانه وتعالى - خَالِقُهُ) كَذَلِكَ قَوْلُهُ {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... } [الزخرف: 87] "، [3] ولهذه الرواية شاهد أخر عن زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله - عليه السلام - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عز وجل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] . قَالَ: فَطَرَهُمْ جَمِيعًا عَلَى التَّوْحِيدِ"، [4] فجمعًا بين الروايتين أن التوحيد هو المعرفة، والمعرفة هي التوحيد."
ومن الأدلة على أن التوحيد عند الكليني هو المعرفة، أنّ تعريف الشراح للمعرفة هو نفسه تعريف التوحيد، والتي منها ما عرفها محمد آل عبد الجبار [5] فقال:"المراد بمعرفة الله تعالى: معرفة كونه موجودًا ثابتًا متصفًا بالكمال مبرًا عن النقص"، [6] وقال الجزائري في تعليقه على إحدى روايات الكافي التي تتحدث عن الصفات:"المراد بمعرفته العلم بوجوده وعينية"
(1) هو موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر (128 - 183 هـ) : سابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان من سادات بني هاشم، ومن أعبد أهل زمانه، وأحد كبار العلماء الأجواد، تنسب فرقة من فرق الشيعة نفسها إليه وتقول: إنه (القائم المهدي) وفرقة أخرى تسمى (الواقفة) تقول: إن الله تعالى رفعه إليه وسوف يردّه، وسميت بذلك لأنها وقفت عنده ولم تأتم بإمام بعده. الزركلي، الأعلام (7/ 321) بتصرف يسير.
(2) [الكليني، أصول الكافي، التوحيد/ جوامع التوحيد، 1/ 101: رقم الحديث 6] . الرد على هذا كله في موضع إن شاء الله تعالى.
(3) [المرجع السابق، الإيمان والكفر/ فطرة الخلق على التوحيد، 2/ 429 - 430: رقم الحديث 4] .
(4) [المرجع نفسه، الإيمان والكفر/ فطرة الخلق على التوحيد، 2/ 429 - 430: رقم الحديث 3] .
(5) هو مُحمّد بن عبد علي آل عبد الجبّار القطيفي البحراني، من مراجع الشيعة في القطيف، ومن أعيان القرن الثالث للشيعة توفي سنة (1250 هـ) وله دور بارز في الرد على الصوفية من الشيعة كالملا الشيرازي والكاشاني. انظر: الطهراني، الذريعة (2/ 192) . الأمين، أعيان الشيعة (9/ 381) .
(6) آل عبد الجبار، هدي العقول إلى أحاديث الأصول (3/ 463) .