فهرس الكتاب
جوابه على سؤال الزنديق (ما الدليل عليه) فقال:"إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى جَسَدِي وَلَمْ يُمْكِنِّي فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ فِي الْعَرْضِ وَالطُّولِ وَدَفْعِ الْمَكَارِهِ عَنْهُ وَجَرِّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ، عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا الْبُنْيَانِ بَانِيًا فَأَقْرَرْتُ بِهِ، مَعَ مَا أَرَى مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ، وَإِنْشَاءِ السَّحَابِ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحَ، وَمَجْرَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجِيبَاتِ الْمُبَيِّنَاتِ، عَلِمْتُ أَنَّ لِهَذَا مُقَدِّرًا وَمُنْشِئًا"، [1] الجزئية الأولى في الكلام من أوله إلى قوله: (فأقررت به) تدل على توحيد الخالقية، وبقية الكلام يدل على توحيد التدبير، [2] وبعد أن أثبت وجود الإله أراد أن يثبت خالقًا مدبرًا واحدًا، وذلك من خلال دليل التمانع [3] بطريق التفرد بالتدبير الذي يعني توحيد الربوبية عند الشيعة، ودليل ذلك ما رواه الكليني عن هشام أنه قال:"أَتَى -يقصد رجلًا زنديقًا- أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام - وَكَانَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام - لَا يَخْلُو قَوْلُكَ: (إِنَّهُمَا اثْنَانِ) مِنْ أَنْ يَكُونَا قَدِيمَيْنِ قَوِيَّيْنِ، أَوْ يَكُونَا ضَعِيفَيْنِ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوِيًّا وَالْآخَرُ ضَعِيفًا، فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ فَلِمَ لَا يَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ويَتَفَرَّدُ بِالتَّدْبِيرِ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَوِيٌّ وَالْآخَرَ ضَعِيفٌ ثَبَتَ أَنَّهُ وَاحِدٌ كَمَا نَقُولُ؛ لِلْعَجْزِ الظَّاهِرِ فِي الثَّانِي، فَإِنْ قُلْتَ: (إِنَّهُمَا اثْنَانِ) لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَا مُتَّفِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَلَمَّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِمًا، وَالْفَلَكَ جَارِيًا، وَالتَّدْبِيرَ وَاحِدًا، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَر، دَلَّ صِحَّةُ الْأَمْرِ وَالتَّدْبِيرِ وَائْتِلَافُ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ الْمُدَبِّرَ وَاحِدٌ"، [4] ويتبين بهذا أن الكليني أثبت بالخلق وجوده، وأثبت بالتدبير أنه واحد، [5] وجعل الكليني الغاية من هذا التوحيد فقط معرفة الله تعالى، [6] ودليل ذلك ما رواه الكليني عن أبي الحسن أنه قال:"يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ - سبحانه وتعالى - أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ، وَنَصَرَ النَّبِيِّينَ بِالْبَيَانِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ فَقَالَ: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] . وقوله تعالى: إِنَّ"
(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ حدوث العالم وإثبات المحدث، 1/ 59: رقم الحديث 3]
(2) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 32) .
(3) حقيقة دليل التمانع أن لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته، فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهو ممتنع، ويستلزم أيضا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، واذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزا لا يصلح للإلهية. انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية (ص: 81) .
(4) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ حدوث العالم وإثبات المحدث، 1/ 61: رقم الحديث 5]
(5) انظر: آل عبد الجبار، هدي العقول إلى أحاديث الأصول (3/ 285) .
(6) انظر: النائيني، الحاشية على أصول الكافي (ص: 237) .