فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 501

ت نفي الصفات الإلهية عنه، وهي كمال توحيده كما روى عن أبي إبراهيم أنه قال:"أَوَّلُ الدِّيَانَةِ بِهِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ، وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ"، [1] والشاهد من هذه الرواية قولهم: (وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ) ووجه الدلالة ما ذكره النائيني فقال:"أي عدمُ زيادتها؛ فإنّ مرجع عينيّة الصفات إلى نفيها"، [2] وقرر هذا النائيني عن الكليني؛ لأن الكليني يعتقد بأن الصفات عين الذات على ما سيأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى-. [3]

وهذه المراتب الثلاث أشار إليها المازندراني [4] في شرحه على الروايات التي تتحدث عن معرفة الله فقال:"واعلم أن معرفة الصانع على مراتب: الأولى وهي أدناها أن يعرف إن لهذا العالم صانعًا ويصدق بوجوده، الثانية أن يترقى إلى توحيده وتنزيهه عن الشركاء، الثالثة: أن يترقى إلى نفي الصفات". [5]

تعقيب: الروايات التي أوردها الكليني في بيان مفهوم التوحيد في كافيه ملآى بالمخالفات العقدية، وهي أنواع فمنها تستلزم التعطيل لصفات الله تعالى ومنها تستلزم الشرك -والعياذ بالله تعالى-؛ ونظرًا لأن المقام مقام تقرير عقائد وليس مقام نقد ومناقشة، لا يسعني أن أناقش كل جزئية أو رواية ورد فيها مخالفة شرعية، وحسبنا في هذا المقام ذكر أهم الملاحظات على الكليني في مفهوم التوحيد ومراتبه، وبيانها كالتالي:

1 -القول بأن التوحيد هو المعرفة، وأن المعرفة أول الديانة، أي أول واجب، [6] يقتضي بأن إبليس ومشركي العرب، ومن على شاكلتهما يكونون مسلمين؛ [7] لأنهم كانوا يعرفون الله تعالى ويقرون له بربوبيته، ورغم ذلك لم يُثبت الله تعالى لهم الإسلام، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61] ، والشاهد أنه أثبت لهم الإقرار والعرفان ورغم ذلك لم يثبت لهم الإسلام، وجعل ما هم فيه من عبادة الأصنام، إفكًا وزورًا، [8] وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ

(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ جوامع التوحيد، 1/ 101: رقم الحديث 6] .

(2) النائيني، الحاشية على أصول الكافي (ص: 459) .

(3) انظر: [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ صفات الذات، 1/ 78: رقم الحديث 1] .

(4) هو محمد صالح بن أحمد بن شمس الدين المازندراني من علماء الشيعة الثقات عندهم، توفي سنة ست وثمانين بعد الألف. انظر: الأردبيلي، جامع الرواة (2/ 131) .

(5) المازندراني، شرح أصول الكافي (4/ 196) .

(6) انظر: العاملي، بدر الدين، الحاشية على أصول الكافي (ص: 107) .

(7) انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية (ص: 332) الهروي، الرد على القائلين بوحدة الوجود (ص: 54) .

(8) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 152) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت