فهرس الكتاب
-الأجر مضاعف لأصحاب التقية، وروى في ذلك عن أبي عَبْدِ اللَّهِ - عليه السلام - أنه قال:"مَا بَلَغَتْ تَقِيَّةُ أَحَدٍ تَقِيَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ إِنْ كَانُوا لَيَشْهَدُونَ الْأَعْيَادَ وَ يَشُدُّونَ الزَّنَانِيرَ فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ". [1]
وقصة أصحاب الكهف ليس فيها دلالة على التقية بل فيها دليل على الجهر بالدين الحق، وإن جلب لهم ذلك الطرد والملاحقة، وهذا ما دل عليه كذلك هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم من ديارهم.
تعقيب في بيان المفهوم الشرعي للتقية:
قد لبس الملِّبسون في ادعائهم أن التقية كما هي عند الشيعة، كذلك هي عند أهل السنة والجماعة، وهذا قول باطل؛ لأن التقية في معتقد أهل السنة والجماعة، هو ما دل عليه الشرع، وصدقه العقل، وما دل عليه الشرع أنّ التقية رخصة رخصَّ الله تعالى بها لعباده المؤمنين في حالة الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، والرخصة لها أحكام، فتارة يكون الأخذ بها أولى ومندوب كالقصر للمسافر، وتارة يكون تركها والأخذ بالعزيمة أولى كإجراء كلمة الكفر، وتارة تكون مباحة ويتساوى فيها الأمران كبيع السَّلم، [2] وعلى هذا تكون الرخصة بالمفهوم الشرعي مسألة فقهية لا عقدية، وهي لا تعني النفاق واخفاء الدين، حتى يتم التمكن من رقاب مخالفيه والاستعلاء عليهم، وإنما تعني الدعوة للحق وإظهاره، وعند الاضطرار مع أهل الكفر لا مع المسلمين نستخدمها، وتقدر بقدرها كذلك، [3] وذلك لا يكون إلا في حالة الإكراه كما بين ذلك الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه حيث أورد تحت باب الإكراه قول اللَّهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] وَقَالَ: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] : «وَهِيَ تَقِيَّةٌ» ، [4] والشاهد أن إظهار المعتقد واجب وتبليغ دين الله واجب وعند وجود الإكراه فهي رخصة وتقدر بقدرها حسب الإكراه، وهذا بخلاف ما عليه الكليني، فهي عنده الكذب المحض في جميع أحوالهم؛ لأنها من أصل دينهم، ولا يتم الإيمان إلا بها فهي واجبة إلى يوم الدين لا في حالة الضرورة فقط، وهي منهج حياة بينه وبين المخالفين، بقطع النظر عن المخالفات العقدية التي يقع فيها، فهي كالمداهنة في دين الله تعالى، ومجاراة الخصم على حساب الدين، وهذا هو النفاق بعينة، ومن
(1) [الكليني، أصول الكافي، الإيمان والكفر/ التقية، 2/ 573: رقم الحديث 8] .
(2) انظر: التويجري، تتبع الرخص بين الشرع والواقع (ص: 20)
(3) انظر: البغوي، تفسير البغوي (2/ 26) .
(4) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 19) .