فهرس الكتاب
هذا عرفها ما يسمونه بالشهيد في قواعده فقال:"التقية مجاملة الناس بما يعرفون، وترك ما ينكرون حذرًا من غوائلهم". [1]
8 -عقيدة الكليني في القدر:
ذكر الكليني المسائل التي تتعلق بالقدر في كتاب التوحيد، فبوب لها الأبواب، وأورد فيها الروايات، وهي تتحدث عن الإرادة والمشيئة، والسعادة والشقاوة، وخلق الخير والشر، والابتلاء والاختبار، والاستطاعة، ونعرض عقيدته في أهم هذه المسائل على النحو التالي:
أ حقيقة معتقده في القدر.
ذكر الكليني أن القدر مرتبة ثالثة بين الجبر والتفويض، [2] ولم يبيَّن حقيقة هذا القول لا في تبويبه على الروايات، ولا في الروايات نفسها، وعند النظر في الروايات التي أوردها في كافيه، يظهر أنه يعني بالمرتبة التي بين الجبر والتفويض، هو نفس ما يعنيه الأشاعرة من نظرية الكسب، [3] والذي يدل على ذلك ما رواه بسنده عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:"لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ، وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْن"، [4] فهذا القول هو نفسه قول الأشاعرة إذ قال الكرماني:"المذهب الحق أن لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين الأمرين، أي بخلق الله وكسب العبد، وهو قول الأشعرية"، [5] وهذا القول في الأساس مآله إلى الجبر؛ ذلك بأن حقيقة الكسب: نفي القدرة عن المخلوق، وكل ما يستطيعه هو إرادة الفعل فقط لا الفعل، [6] والذي يظهر حقيقة هذا المذهب عند الكليني ما رواه عن أبي عَبْدِ اللَّهِ أنه قال لرجل من أهل البصرة:"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا، فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الِاسْتِطَاعَةِ ثُمَّ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ مُسْتَطِيعُونَ لِلْفِعْلِ وَقْتَ الْفِعْلِ مَعَ الْفِعْلِ، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ الْفِعْلَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوهُ فِي مُلْكِهِ، لَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا لَمْ يَفْعَلُوهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - سبحانه وتعالى -"
(1) الشيرازي، ناصر، القواعد الفقهية (1/ 387) . وانظر: المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - صلى الله عليه وسلم - (9/ 183) .
(2) انظر: [الكليني، أصول الكافي، التوحيد/ الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، 1/ 113: رقم الحديث 10]
(3) قال ابن الوزير أن بعض الأشاعرة قالوا:"إنه تعالى يخلُقُ الفعل، ويخلق قدرته في العبد مستَقِلَّةً بالفعل مقارِنَةً له غير مؤثِّرةٍ فيه. وزاد الرازي: إن الله عندهم إنما يفعل ذلك عند اختيار العبد لذلك، كالمسببات عند المعتزلة. قال الشيخ مختار: وقال بعضهم: أصل الحركة بقدرة الله تعالى، وتعينها بقدرة العبد وهو الكسب، وقال بعضهم: إن الفعل بالله تعالى وصفته بالعبد، وهو قريبٌ من الثاني". ابن الوزير، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (7/ 57)
(4) [الكليني، أصول الكافي، التوحيد/ الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، 1/ 113: رقم الحديث 13]
(5) الكرماني، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (25/ 212 - 213) .
(6) انظر: التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (2/ 1362) عبد الله، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص: 377) .