فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 501

أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُضَادَّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، قَالَ الْبَصْرِيُّ: فَالنَّاسُ مَجْبُورُونَ، قَالَ: لَوْ كَانُوا مَجْبُورِينَ كَانُوا مَعْذُورِينَ، قَالَ: فَفَوَّضَ إِلَيْهِمْ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا هُمْ؟! قَالَ: عَلِمَ مِنْهُمْ فِعْلًا، فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ كَانُوا مَعَ الْفِعْلِ مُسْتَطِيعِينَ"، [1] فقول البصري - تنزلًا على أن أبا عبد الله قال هذا-: (فالناس مجبورون!) . كأنه يقول له: كلامك يقتضي ويدل على الجبر، فرد عليه: (لو كانوا مجبورين لكانوا معذورين) ، فقال له: ففوض إليهم. فرد عليه بكلام يدل على نظرية الكسب، وهو قوله: (كانوا مع الفعل مستطعين) ، أي ليس لهم قبل الفعل أي قدرة ولا استطاعة، وهذا ما دل عليه ما رواه الكليني عن أبي عبد الله - رضي الله عنه - أنه قال:"لَيْسَ لَهُ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَكِنْ مَعَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ كَانَ مُسْتَطِيعًا. فقال له السائل:- معترضًا أن هذا الكلام يقتضي الجبر-: فَعَلَى مَاذَا يُعَذِّبُهُ؟! قَالَ: بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ، وَالْآلَةِ الَّتِي رَكَّبَ فِيهِمْ"، [2] قال المجلسي:"والمراد بالآلة التي ركب فيهم، القدرة والإرادة المؤثرتين اللتين خلقهما الله تعالى في العباد"، [3] وضرب الخوئي مثلًا ليبين معنى الأمر بين الأمرين برجل يده مشلوله وكلما ركب الطبيب سلك كهرباء في يده تحركت يده. [4] "

والروايات التي يوردها الكليني تناقض بعضها بعضًا، ووجه التناقض أنه نفى عن الفاعل الاستطاعة على الفعل قبل الفعل، مع أن القدرة والارداة وسلامة الآلة موجوده قبل الفعل، وهي تستلزم الاستطاعة على الفعل قبل فعله الفعل، والأصل أن للعبد الاستطاعة على الفعل والترك قبل الفعل وأثناء الفعل، مع رد هذه الاستطاعة لمشيئة الله - سبحانه وتعالى - كونه الخالق لها وخالق لأسبابها، والأمر يعود لكمال حكمته وعدله - سبحانه وتعالى - بحصول الفعل من عدم حصوله. [5]

والذي جعلهم ينتحلون هذا المذهب، هو نفس السبب الذي جعل الأشاعرة يقولون بنظرية الكسب، فهناك من المتكلمين من يقول بنفي القدر كالمعتزلة، وبالجبر كالجهمية، فعدّوا أنفسهم أصحاب الحق والوسط بهذه النظرية، وكذلك الشيعة منهم من يقول بنفي القدر، ومنهم من يقول بالجبر، ودليل ذلك عَنْ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ:"قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا، إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ بِالْجَبْرِ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ بِالِاسْتِطَاعَةِ". [6]

(1) [الكليني، أصول الكافي، التوحيد/ الاستطاعة 1/ 114: رقم الحديث 2] .

(2) [المرجع السابق، التوحيد/ الاستطاعة 1/ 114: رقم الحديث 3] .

(3) المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - صلى الله عليه وسلم - (2/ 219) .

(4) انظر: مركز الرسالة، الأمر بين الأمرين (ص: 59)

(5) انظر: ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 52) .

(6) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الجبر والقدر والأمر بين الأمرين 1/ 113: رقم الحديث 12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت