ث خلق الخير والشر عند الكليني:
قد وافق الكليني أهل السنة والجماعة في مسألة خلق أفعال العباد، وأنها مخلوقة سواء الخير أو الشر، [1] وأما إضافتهما لله تعالى فلا يصح عنده ذلك، ودليل ذلك أنه روى عن أبي عبد الله أنه قال:"مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ إِلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ"، [2] لم أقف على معنى موحد عند الشراح لهذه الرواية، فمنهم من يقرر بأنها بمثابة الرد على المعتزلة القائلين باستقلالية العبد بايجاد أفعاله، ومنهم من يقول بأنها ردٌّ على الجبرية النافين القدرة عن العبد، [3] وذكر المازندراني بأن المعنى: نفي نسبة الفعل لله - سبحانه وتعالى -، [4] وسبب هذا الخلاف أن الرواية جمعت بين الخير والشر، ولو اقتصرت على نفي نسبة الشر لله تعالى مع نسبة الخير له لحل الإشكال، وحينها يمكن القول: أن الخير يضاف لله - سبحانه وتعالى - بإطلاق بخلاف الشر، وذلك لبيان أن الشر لا يدخل في أفعاله وأن أفعاله كلها خير، وهذا ما دل عليه ما رواه أهل السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعوه ويقول:"لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ"، [5] وعلق ابن القيم على هذا الحديث فقال:"فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرًا، وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله؛ ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كله والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرًا، فعلم أن الشر ليس إليه"، [6] وقد تمت الإشارة في تقرير عقيدة البخاري في القدر، بأن الشر لا يضاف إلى الله - سبحانه وتعالى -، لا إسما ولا وصفًا ولا فعلًا، وإنما يدخل في مفعولاته بطرق ثلاث، بالعموم، أو حذف فاعله، أو إسناده إلى محله القائم به. [7]
(1) انظر: [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الجبر والقدر والأمر بين الأمرين 1/ 12: رقم الحديث 9] .
(2) [المرجع السابق، التوحيد/ الجبر والقدر والأمر بين الأمرين 1/ 111: رقم الحديث 2] .
(3) انظر: النائيني، الحاشية على أصول الكافي (ص: 499) . الكاشاني، الوافي (1/ 540) .
(4) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (5/ 15) .
(5) [مسلم، صحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها/ الدعاء في صلاة الليل وقيامه، 1/ 111: رقم الحديث 2]
(6) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 179) .
(7) انظر في هذا البحث: ص 28.