واستدل القائلون بهذا بما رواه معاذ بن جبل انّه قال: انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: لا تأخذ من الكسر شيئًا، ولا شيئًا من الورق حتى يبلغ مائتي درهم، فإذا بلغها فخذ خمسة دراهم، ولا تأخذ من زيادتها شيئًا حتى تبلغ أربعين درهمًا، فإذا بلغها فخذ درهمًا [1] .
واعتمد القائلون بهذا المذهب على ما ورد من الأخبار المستفيضة الصحيحة منها: قوله صلّى الله عليه وآله وسلم: ليس فيما دون خمس أواق صدقة [2] ، وهي مائتا درهم.
وما رواه الشيخ الكليني بسنده عن الإمام أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام أنهما قالًا: ليس فيما دون العشرين مثقالًا من الذهب شيء، فإذا كملت عشرين مثقالًا ففيها نصف مثقال إلى أربعة وعشرين، فإذا كملت أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين، فعلى هذا الحساب كلّما زاد أربعة [3] .
المذهب الثاني: وهو الذي ذهب إليه بعض فقهاء الإمامية وغيرهم من فقهاء جمهور المسلمين: ان نصاب الذهب في كلّ أربعين مثقالًا مثقال، وليس فيما دون ذلك زكاة.
أمّا إذا نقص عن المائتي درهم حبّة أو حبّتان في جميع الموازين؟
قال الشيخ الطوسي: لا زكاة فيه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي [4] .
وقال مالك: ان نقص الحبة والحبتان في جميع الموازين ففيها الزكاة [5] .
هذا هو المعروف من مذهب مالك.
وقال الابهري [6] : ليس هذا مذهب مالك، وإنّما مذهبه أنّها ان نقصت في بعض الموازين، وهي كاملة في بعضها، ففيها الزكاة [7] .
(1) ـ سنن الدارقطني 2: 93 حديث 1.
(2) ـ صحيح البخاري 2: 143 ـ 144، وصحيح مسلم 2: 674 حديث 3، وسنن أبي داود 2: 94 حديث 1558، وسنن الترمذي 3: 22 حديث 626، وسنن البيهقي 4: 33، والموطأ 1: 224 حديث 1، وسنن الدارقطني 2: 93 حديث 5، وسنن النسائي 5: 36، وسنن ابن ماجة 1: 572، وكنز العمال 6: 325.
(3) ـ الكافي 3: 515 الحديث 3.
(4) ـ الخلاف 2: 75.
(5) ـ المنتقى شرح الموطأ 2: 96، والمجموع 6: 7.
(6) ـ أبو بكر محمّد بن عبد الله بن محمد بن صالح الابهري شيخ المالكيّة، تفقّه على محمّد بن يوسف وابنه أبو الحسن روي عن الباغندي وعبدالله بن بدران البجلي له تصانيف منها شرح مختصر ابن عبد الحكم مات سنة 375. طبقات الفقهاء: 141، وتاريخ بغداد 5: 462، وشذرات الذهب 3: 85، الخلاف 2: 75.
(7) ـ قال في المنتقى شرح الموطأ 2: 96: فحكى أبو الحسن بن القصار وأبو بكر الابهري ان معنى ذلك أن تكون في ميزان وازنه، وفيه ميزان ناقصة، فإذا نقصت في جميع الموازين فلا زكاة فيها. وانظر فتح العزيز 6: 7.