لقد ورد أمر أداء الزكاة في القرآن الكريم مجملًا، كما هو الحال في كثير من الأوامر، فلم تُشر الآيات الكريمة إلى ما يجب فيه الزكاة من الأموال وغيرها، ولا إلى المقدار الواجب فيها، أو الأحكام المتعلّقة بها من حلول الحول عند مالكها وغيره.
لكن اهتمَّ القرآن الكريم بمصرفها، فأوضح بصورة خاصّة الأصناف التي تُصرف عليهم الزكاة دون غيرهم دفعًا عن التصرف الشخصي لها، فلم يدع لأحدٍ تقسيمها وفقًا لرأي له قاصر، أو هوى متسلط، أو عصبيّة جاهلية.
كما لم يدعها طعمة لمطامع الطامعين من ذوي الأنفس النهمة، والأعين الشرهة، فأشار إلى بعض هؤلاء بقوله عزّ اسمه: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [1] .
وعلى ضوء ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [2] ، يمكن تقسيم مستحقي الزكاة إلى ثمانية أصناف.
ومن جميل البلاغة القرآنيّة أن خصّت الآية الكريمة الأصناف الأربعة الأُولى بـ (اللاّم) الدالة على الملك، فكانت الأموال الزكويّة ملكًا لهم، كما خصّت الأصناف الأُخرى بـ (في) لأنّها تُصرف في مصالحهم، من عتق رقابهم، وإيفاء ديونهم، وكذلك ما يصرف في سبيل الله في الجهاد فإنّهم لا يملكونها كما هو الحال في الأصناف المتقدّمة.
ولو تسائلنا عن الأهمية الخاصة التي أولتها الشريعة الإسلامية من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لهذه الفريضة، والإصرار على أدائها ومقاتلة مانعيها، هل كانت لفترة زمنية معيّنة؟ أم لعصر من العصور قد تنقضي بانقضائه؟ أم هي واجبة على أمّة دون أخرى؟.
فلا شكّ أن يكون الجواب على هذا التسائل باستمراريتها في أموال الأغنياء من المسلمين كافة ما دامت الصلاة قائمة، لمقارنتها معها في الذكر الحكيم، وكونها ركن من أركان الإسلام.
ولا شكّ انّ الاقتصار في الالتزام بالشروط الآتية ذكرها في تحقيقها فقط من دون الأخذ بمستجدات الأمور، لضاع العديد من الأموال الزكوية.
(1) ـ سورة التوبة: 58.
(2) ـ سورة التوبة: 60.