فهرس الكتاب
كل محل بعلامته ووقوع المفرد موقع الجملة وعكسه وأين يحسن مراعاة الأصل وأين يحسن العدول عنه وهذا فصل نافع جدا يطلعك على سر هذه اللغة العظيمة القدر المفضلة على سائر لغات الأمم
اعلم أن الأصل هو المعنى المفرد وأن يكون اللفظ الدال عليه مفردا لأن اللفظ قالب المعنى ولباسه يحتذي حذوه والمناسبة الحقيقية معتبرة بين اللفظ والمعنى طولا وقصرا وخفة وثقلا وكثرة وقلة وحركة وسكونا وشدة ولينا فإن كان المعنى مفردا أفردوا لفظه وإن كان مركبا ركبوا اللفظ وإن كان طويلا طولوه كالقطنط والعشنق للطويل فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه وانظر إلى لفظ بحتر وما فيه من الضم والإجتماع لما كان مسماه القصير المجتمع الخلق وكذلك لفظة الحديد والحجر والشدة والقوة ونحوها تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها وكذلك لفظا الحركة والسكون مناسبتهما لمسمياتهما معلوم بالحس وكذلك لفظ الدوران والنزوان والغليان وبابه في لفظها من تتابع الحركة ما يدل على تتابع حركة مسماها
وكذلك الدجال والجراح والضراب والأفاك في تكرر الحرف المضاعف منها ما يدل على تكرر المعنى وكذلك الغضبان والظمآن والحيران وبابه صيغ على هذا البناء الذي يتسع النطق به ويمتليء الفم بلفظه لامتلاء حامله من هذه المعاني فكان الغضبان هو الممتليء غضبا الذي قد اتسع غضبه حتى ملأ قلبه وجوارحه وكذلك بقيتها
ولا يتسع المقام لبسط هذا فإنه يطول ويدق جدا حتى تسكع عنه أكثر الأفهام وتنبو عنه للطافته فإنه ينشأمن جوهر الحرف تارة وتارة من صفته ومن اقترانه بما يناسبه ومن تكرره ومن حركته وسكونه ومن تقديمه وتأخره ومن إثباته وحذفه ومن قلبه وإعلاله إلى غير ذلك من الموازنة بين الحركات وتعديل الحروف وتوخي المشاكلة والمخالفة والخفة والثقل والفصل والوصل وهذا باب يقوم من تتبعه سفر ضخم وعسى الله أن يساعد على إبرازه بحوله وقوته
ورأيت لشيخنا أبي العباس بن تيمية فيه فهما عجيبا كان إذا انبعث فيه أتى بكل غريبة ولكن كان حاله فيه كما كان كثيرا يتمثل
تألق البرق نجديا فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول المثنى والجمع تابعان للمفرد
ولنذكر من هذا الباب حال اللفظ في إفراده وتغييره عند زيادة معناه بالتثنية والجمع